
رئيس اتحاد الوطن العربي الدولي يؤكد أن القرآن الكريم: وحيُ الله جملةً وتفصيلاً
بقلم / المفكر العربي الدكتور خالد محمود عبد القوي عبد اللطيف
مؤسس ورئيس اتحاد الوطن العربي الدولي
رئيس الإتحاد العالمي للعلماء والباحثين
[القرآن الكريم: وحيُ الله جملةً وتفصيلاً]
ليس في القارّات الخمس كتابٌ يَتَضمَّن وحيَ الله جُملةً وتفصيلاً، ومُرادَه من خلقه دون زيادةٍ أو نقص، غير القرآن الكريم، فإنَّ هذا الكتاب صَانَهُ الله سبحانه، وتكفَّلَ بحفظه، فنحن واثقون من أنه كما سمع جبريلُ الوحيَ من الله جلَّ شأنه، استمع الرسول صلّى الله عليه وسلّم إلى جبريل، واستمع الصحابة إلى الرسول صلّى الله عليه وسلّم، واستمعنا نحن إلى من استمع إلى الصحابة، فهناك يقينٌ يكتنف انتقالَ هذا الكتاب إلينا أساسُه التواتر، والتواترُ من أسباب اليقين التي لا مجال للطعن فيها.
[التلقِّي الشِّفاهي والكتابي]
تواترُ القرآن جاء من ناحيتين:
ناحيةِ التَّلقِّي الشِّفاهي، وناحيةِ الكتابة، وإن كانْ علماؤنا يَرَوْن الطريقة الأُولى هي الأدقُّ والأوثق؛ لأنَّها حفظتْ المدود، والغُنن، ومخارج الحروف، وما إلى ذلك من لهجاتٍ.
أما الطريقة الثانية، فقد تضمَّنت الرَّسم المكتوب، والكلماتِ دون زيادةٍ أو نقصٍ، وإنْ كان الأداء ينقصها.
القرآن الكريم رَاجَ رَوَاجاً عَجيباً لطبيعة موقف المسلمين منه، فهو أولاً الكتاب الذي يقرؤون آياته في الصَّلوات الخمس، فهو لم يُقْرأ مرةً واحدةً وانتهى الأمر، بل كان المسلمون يُكلَّفون كلَّ يومٍ بالقراءة من آياتِ هذا الكتاب في صَلَواتهم، وكانوا يخْطبون منه الجُمَعَ، وكانوا في مَجَالسهم، وفي نَوَاديهم، وفي لياليهم، وفي آصالهم، وفي كلِّ أوقاتهم يتدارَسُون هذا القرآن ويتغنّون به، وهذا الذي أبقى على القرآن رواجَه في أسواق المسلمين الثقافية. ومثلُ هذا الإقبال على كتاب لم يُعرف لكتابٍ سبق.
[أهمية الكتابة في حفظ القرآن]
الناحية الثانية ، وهي الكتابة: أُحبُّ أنْ أُوجِّه النظر إليها. ربَّما غضَّ البعض الطرف عن طريق الكتابة في تلقّي القرآن على اعتبار أنَّ العرب أمّةٌ أُميَّة، وأنَّ الكتابة نادرةٌ فيها، لكنَّ المُتتبِّع لأخبار كُتَّاب السيرة والتاريخ، يجد أنَّ القرآن كان يُكتب من أوَّل ما نَزَل، وأنَّ هذه الكتابة عُرِفَتْ فعلاً، وأنَّ إسلامَ عمر مثلاً كان عن قراءةٍ لصحيفة تضمَّنت آياتٍ من القرآن الكريم، وعُرِفَ أنَّ القرآن كان بين أيدي الكرامِ البررة من زمانٍ طويل في أوّل عهد المسلمين بالوحي.
وهذه الكتابةُ وُجِدَتْ فعلاً، ووُجِدَ ما يشبه السكرتاريَّة، وهم كُتَّاب الوحي ، وكانوا يكتبون بأنفسهم.
زيدُ بن ثابت لم يكن كاتباً للوحي أيام أبي بكر، أو أَنشأَ جديداً، إنما كانت وظيفتُه أن ينقل ما كُتِبَ أيام الرسول صلّى الله عليه وسلّم، ويضمَّ بعضه إلى البعض الآخر وَفْقَ الترتيب المحفوظ للصحابة، فهو لم يُكلَّف بكتابةٍ جديدة، إنما كُلِّف بجَمْع ما كُتِبَ أيام رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، وضمِّ بعضه إلى البعض الآخر، وَفْق الترتيب الذي عُرف أيام النبيِّ عليه الصلاة والسلام؛ لأنَّ الرسول صلّى الله عليه وسلّم كان إذا نزلت آيات قال: «ضَعُوها في مكان كذا وكذا».
فالترتيب محفوظٌ ومعروف، وهذه الآياتُ مُتَتَابعةٌ، والقرآنُ الذي كان يُقرأ في التراويح، ويُقرأ في الصَّلوات، كان معروفاً من أوَّله إلى آخره. هذه مهمَّةُ زيد بن ثابت.
[القرآن أسَّس دولة]
يمتاز القرآن في تواتره بأنه أسَّسَ دولةً في عهد مُؤسِّسها الأول، وهو صاحبُ الرسالة عليه الصلاة والسلام ـ على عكس المسيحية أو اليهودية ـ وأنَّ هذه الدولة الإسلاميَّة التي احْتَضَنَت القرآن، بقيتْ تحترمُ ميثاقَها هذا ودستورَها هذا في كلِّ عصرٍ، احتراماً لم يُعْرَف في أيِّ كتابٍ آخر، ولا أيِّ دولةٍ أخرى.
فالمسيحيَّةُ مثلاً، ذهب عيسى سواءٌ بالوفاة أو بالموت بالاضْطهاد الذي نَزَل بالمسيحيَّة، وبالتالي وقع بأصحابها من التَّرويع والإقْلاق ما شتَّتهم، وظلُّوا قُرابة ثلاثة قرون، أو أربعة لا يستطيعون أن يجتمعوا على كتاب مضْبوط.
[احتضان الدولة المسلمة لكتاب الله]
أما الرسالةُ الإسلاميَّة فبعد ثلاثة عشر عاماً، أمكنَ المسلمين أن يُؤسِّسوا لهم دولةً في المدينة تأخذ لدينها ولنفسها ما تريد. وبذلك أصبح القرآن كالمنشورات الرسميَّة التي تخرج وعليها من الحياطة والترابط ما لا يجعلها منشوراتٍ شعبيِّة يمكن أنْ يصدرَ أمرٌ بمصادرتها، أو حرقها، أو اضْطهاد حَمَلَتِها، بل كانت الدولة في المدينة تحتضنُ الكتاب، وتَسوقُ الجماهير والمدرِّسين والقُرَّاء والمُعلِّمين من عندها لكتابٍ معروفِ الأوائل والأواخر، مَضْبوطِ البدايات والنهايات، وهذا لم يُعرف في المسيحية.
[استمرار التواتر خلال القرون]
ونَجِدُ أيضاً أنَّ هذا التواتر ظلَّ خلال الأربعة عشر قرناً التي تستوعب التاريخ الإسلامي، فخلال هذا التاريخ كانت الدول جميعاً التي تقسَّمت هذا التاريخ تقوم على احترام القرآن، وعلى كتابته، وإشاعته، وتعليمه والاحتكام إليه في كثيرٍ من الأمور.
ولا يزال حتى هذا العصر الذي انهارَتْ فيه الدولة الإسلامية، والخلافة الإسلامية، وأصبح الإسلامُ فيه يتيماً من الناحية السياسية والناحية الثقافية؛ لأنه ليستْ له قوةٌ روحيَّة تقوم عليه، ولا قوة عسكريَّة تُنافح عنه، مع هذا العصر الذي أصاب الأمة الإسلامية بكارثةٍ ضخمة؛ فإنَّ القرآن لا يزال من الناحية الشعبيَّة والرسميَّة في كثيرٍ من الدول موضعَ العناية والاحترام.
[الخوف من انقطاع التواتر]
أمَّا الخوف من انقطاع التواتر؛ لأنَّ بعض المصريين لم يُقْبلوا على تحفيظ القرآن، أو وَقَفوا أمام المكاتب التي كانت تقومُ على تحفيظه، فإني أريد أنْ أقولَ فيه كلمةً، وهي: أنَّ هذا الكتاب وَعَدَ الله جلَّ شأنه أن يحفظه، وقال فيه هذه الكلمة الحاسمة: {إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ} [الحجر: 9] وهو يَتخيَّر الحَفَظَة حَسَب قَدَرِهِ ومشيئته في خلقه، ويَصْطفي لهذا الكتاب مَنْ يصونُه حرفاً حرفاً ويضبِطُهُ كلمةً كلمةً، {ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا} [فاطر: 32] .
[الله سبحانه تولَّى حفظ كتابه]
فإذا كانت هناك مجتمعاتٌ تُفرِّط في هذا الكتاب، فإنَّ هذا التَّفريط لنْ يُضيره؛ لأنَّ الله الذي آلى على نفسه أنْ يحفظَ كتابه سوف يَخْلُق أمماً أخرى، وشعوباً أخرى، وجماهير أخرى تَسْتبقي تواترَ هذا الكتاب بحيث لا ينقطع التواترُ أبداً إلى أن يَرِثَ الله الأرض ومَنْ عليها.
[الالتحاق بركب الشَّرف]
إنَّ الأمة التي يهونُ فيها الحَفَظَةُ، أمةٌ تفقدُ الشَّرف الذي يمتدُّ به التواتر عندها، وليس معنى ذلك أنه سينقطعُ تواتر القرآن في ناحيةٍ من نواحيه؛ فإنَّ التواتر يكفي في بقائه أن تكون هناك جماهيرُ من الحَفَظة يُؤْمَن تواطُؤهم على الكذب، ولكن إذا كانت قريةٌ من القرى أو بلدٌ من البلاد ينقطع فيها حِفْظُ القرآن، فهذا يَضيرُها، ولا يَضيرُ القرآن.
ولذلك نريد من أُمَّتنا أنْ تَلحق برَكْبِ الشَّرف الذي يحفظ هذا القرآن ويَسْتبقيه، بأنْ تَسْتَبقي في ثقافتها حِفْظ القرآن عن ظهر قلب، وأن تظلَّ على ذلك حاملةً لواء الثقافة الإسلامية من هذه الناحية.
والخلاصة التي انتهت إليها الندوة: أنَّ القرآن الكريم حُفِظَ متواتراً إلى اليوم، وَسَيُحفَظ متواتراً إلى يوم القيامة؛ لأنَّ الله تبارك وتعالى قد وَعَدَ بحفظه. وذلك يُوجبُ علينا أن ندعوَ المختصِّين للعمل على إبقاء تواتره، وسيبقى إن شاء الله تعالى.

