رئيس اتحاد الوطن العربي الدولي يؤكد أن النفاق من أخطر الكبائر

رئيس اتحاد الوطن العربي الدولي يؤكد أن النفاق من أخطر الكبائر

بقلم / المفكر العربى الدكتور خالد محمود عبد القوي عبد اللطيف

مؤسس ورئيس اتحاد الوطن العربي الدولي

رئيس الإتحاد العالمي للعلماء والباحثين

نقف اليوم وقفةً مهمة حول قضية خطيرة، هي من أخطر الكبائر وأعظم الذنوب التي يمكن أن تودي بصاحبها إلى أسفل دركات الجحيم، وهي:

النفاق بعمومه : الأصغر والأكبر

والنفاق الأكبر ( الاعتقادي) جريمة قلبية خفية تتعلق بأصل الإيمان، وقد أفرد لها القرآن الكريم آيات مطولة، وحذرت منها السنة النبوية الشريفة تحذيراً بالغاً.

إنه المرض الذي ينخر في جسد الأمة، والداء الذي يهدم أساس الدين.

والنفاق من أعظم الذنوب عند الله تعالى النفاق، قال تعالى: {إِنَّ المُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ وَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ نَصِيرًا} [النساء: 145].

وقال تعالى: {إِنَّ اللهَ جَامِعُ المُنَافِقِينَ وَالكَافِرِينَ فِي جَهَنَّمَ جَمِيعًا} [النساء: 140].

⚫ أقسامه .

ينقسم النفاق إلى نوعين رئيسيين:

● النفاق العملي (الأصغر):

وهو خمسة أنواع، وهو أن يتصف المسلم ببعض خصال المنافقين، كالكذب والغدر والفجور في الخصومة، دون أن يُبطن الكفر، وهو نفاقٌ أصغر لا يُخرج من الإسلام، لكنه من كبائر الذنوب.

مع وجود أصل الإيمان في القلب، وهذا لا يخرج صاحبه من الملة، ولكنه من الكبائر العظيمة، ووسيلة وذريعة إلى النفاق الأكبر، وهو ما ورد في حديث عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «أربعٌ مَن كُنَّ فيه كان مُنافِقًا خالِصًا، ومَن كانت فيه خَصْلَةٌ منهنَّ كانت فيه خَصْلَةٌ مِنَ النِّفاقِ حتَّى يَدَعَها: إذا اؤْتُمِنَ خانَ، وإذا حدَّثَ كذَبَ، وإذا عاهَدَ غدَرَ، وإذا خاصَمَ فجَرَ»

أخرجه البخاري (2459)، ومسلم (58)

وقال مسلم في صحيحه: «إِذَا وَعَدَ أَخْلَفَ» مكان «إِذَا اؤْتُمِنَ خَانَ»

البخاري رقم (34)، ومسلم رقم (58).

وقد ذكر ابن رجب أن من النفاق العملي أن يظهر الإنسان علانية صالحة، ويبطن ما يخالف ذلك” جامع العلوم والحكم (2/ 481) .

● خوف الصحابة والسلف من النفاق العملي .

– كان الصحابة رضي الله عنهم لسعة علمهم، وعميق إيمانهم، يخشون على أنفسهم من النفاق، قال البخاري رحمه الله في صحيحه، باب خوف المؤمن من أن يحبط عمله وهو لا يشعر.

• قَالَ إِبْرَاهِيمُ التَّيْمِيُّ: «مَا عَرَضْتُ قَوْلِي عَلَى عَمَلِي إِلاَّ خَشِيتُ أَنْ أَكُونَ مُكَذِّبًا».

• وَقَالَ ابْنُ أَبِي مُلَيْكَةَ: «أَدْرَكْتُ ثَلاَثِينَ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ – صلى الله عليه وسلم -، كُلُّهُمْ يَخَافُ النِّفَاقَ عَلَى نَفْسِهِ، مَا مِنْهُمْ أَحَدٌ يَقُولُ إِنَّهُ عَلَى إِيمَانِ جِبْرِيلَ وَمِيكَائِلَ»

• وَيُذْكَرُ عَنِ الْحَسَنِ رحمه الله أَنَّهُ قَالَ: مَا خَافَهُ إِلاَّ مُؤْمِنٌ، وَلاَ أَمِنَهُ إِلاَّ مُنَافِقٌ، وَمَا يُحْذَرُ مِنَ الإِصْرَارِ عَلَى النِّفَاقِ وَالْعِصْيَانِ مِنْ غَيْرِ تَوْبَةٍ لِقَوْلِ اللهِ تَعَالَى: {وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ} [آل عمران: 135] صحيح البخاري، باب خوف المؤمن من أن يحبط عمله وهو لا يشعر.).

• وروي عن الحسن أنه كان يحلف في هذا المسجد بالله الذي لا إله إلا هو: ما مضى مؤمن قط، ولا بقي إلا وهو من النفاق مشفق، ولا مضى منافق قط، ولا بقي إلا وهو من النفاق آمن، وكان يقول: من لم يخف النفاق فهو منافق. اهـ

جامع العلوم والحكم (2/ 492).).

• وهذا أمير المؤمنين عمر بن الخطاب – رضي الله عنه – يقول لحذيفة: أسألك بالله يا حذيفة هل عدّني رسول الله – صلى الله عليه وسلم – من المنافقين؟ قال: لا ولا أزكي أحدًا بعدك “

جامع العلوم والحكم (2/ 491)، وانظر: رسالة الشيخ عبدالرحيم المالكي (النصيحة والتحذير من الوقوع في الخطر الكبير) (ص12 – 16).).

فعمر – رضي الله عنه – لم يقل ذلك رياءً، ولكن العبد كلما ازداد علمًا زاد خوفه من ربه، والصحابة لعظم خوفهم من ربهم، وسعة علمهم لم يكونوا يحتقرون الذنوب، بل كانوا يستعظمونها، ويخافون عواقبها، ففي صحيح البخاري عن أنس – رضي الله عنه – أنه قال: «إِنَّكُمْ لَتَعْمَلُونَ أَعْمَالاً هِيَ أَدَقُّ فِي أَعْيُنِكُمْ مِنَ الشَّعْرِ، إِنْ كُنَّا لَنَعُدُّهَا عَلَى عَهْدِ النَّبِيِّ – صلى الله عليه وسلم – مِنَ الْمُوبِقَاتِ»

رواه البخاري رقم (6492).).

قَالَ أَبُو عَبْدِ اللهِ: يَعْنِي بِذَلِكَ الْمُهْلِكَاتِ.

وفي صحيح البخاري من حديث زيد بن عبد الله بن عمر عن أبيه: قال أناس لابن عمر: «إِنَّا نَدْخُلُ عَلَى سُلْطَانِنَا فَنَقُولُ لَهُمْ خِلاَفَ مَا نَتَكَلَّمُ إِذَا خَرَجْنَا مِنْ عِنْدِهِمْ، قَالَ: كُنَّا نَعُدُّهَا نِفَاقًا»

رواه البخاري رقم (7178).).

● صور معاصرة للنفاق .

– إن من صور النفاق ما يطالب به بعض الناس الذين هم من بني جلدتنا، ويتكلمون بألسنتنا، ويدعون أنهم يريدون إصلاح المجتمع، ونفع الأمة، ويرددونه بين الفينة والأخرى من:

* هتك للحجاب ، والدعوة للتبرج والسفور واختلاط الشباب بالفتيات في الأعمال، ومقاعد الدراسة،

* وأن في قوامة الرجل على المرأة كبتًا لحريتها، فيطالبون بالمساواة، زعمًا منهم أن فيها إنصافًا وعدلاً بينها وبين الرجل،

* وإلى تقليص المواد الدينية، وتخفيضها،

* ومن صوره كذلك مطالبتهم للناس بالاعتماد على البنوك الربوية في بيعهم وشرائهم، وقروضهم، وسائر شؤونهم، وأن ما تأخذه البنوك من فوائد إنما هو لمصلحة المجتمع، ويدعم اقتصاده، وينشرون هذا عبر الصحف والمجلات، ووسائل الإعلام، قال تعالى: {وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لاَ تُفْسِدُوا فِي الأَرْضِ قَالُوا إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ * أَلاَ إِنَّهُمْ هُمُ المُفْسِدُونَ وَلَكِنْ لاَ يَشْعُرُونَ} [البقرة: 11 – 12].

إلى غير ذلك من المطالب والأساليب الماكرة التي يخططون لها ليلاً ونهارًا، والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون.

⚫ ٢- النفاق الأكبر (النفاق الاعتقادي)

● تعريف النفاق الاعتقادي لغة واصطلاحا.

● لغةً: من مادة (ن ف ق)؛ وأصلها من “النفق”، وهو السرب الذي له مخرجٌ آخر، أي طريقٌ خفيّ، ومنه اشتُقَّ اسم المنافق؛ لأنه يسلك للإيمان طريقًا ظاهرًا، وللكفر طريقًا باطنًا.

ومنه النافِقَاء وهو أحد جُحَرةِ اليربوع (حيوان برّي) الذي يظهر غيره ليهرب منه، وكلاهما يفيد معنى الإخفاء والإظهار المخالف.

● اصطلاحًا:

هو أن يُظهر المرءُ الإسلام ويُبطن الكفر، أو يُظهر الإيمانَ ويُخفي ما يناقضه من الشكِّ أو الجحود أو البغض لدين الله ورسوله ﷺ.

● النفاق الاعتقادي (الأكبر): هو الكبيرة التي تُخرج صاحبها من الملة وتجعله في الدرك الأسفل من النار.

● النفاقُ الاعتقاديُّ هو أخطرُ أدواءِ القلوبِ، وأشدُّها تدميرًا للضمير والإيمان، إذ هو خيانةٌ للعقيدة، وتلبيسٌ في الدين، يُظهر صاحبُه الإيمانَ بلسانه، ويُضمر الكفرَ في جنانه. فهو مرضٌ باطنٌ، لا يُدرَكُ بالبصر، بل تُفصحُ عنه الأفعالُ والمواقفُ عندَ الابتلاء والاختبار.

قال الله تعالى في وصفهم:

﴿وَمِنَ النَّاسِ مَن يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَمَا هُم بِمُؤْمِنِينَ﴾ (سورة البقرة، الآية 😎

فهؤلاء هم الذين تزيَّنوا بزينة الإيمان ظاهرًا، وأخفوا في باطنهم ظلمة الكفر وعداوة الإسلام.

● حقيقة النفاق . الاعتقادي (النفاق الأكبر)

النفاق الاعتقادي هو: إظهار الإسلام والإيمان باللسان والجوارح، وإبطان الكفر والتكذيب أو الحقد في القلب والجَنان. المنافق الاعتقادي هو في الحقيقة كافر محض، أظهر الإسلام ستراً وتقيَّة أو طمعاً في دنيا أو خوفاً، ولكنه في باطنه مُكذِّب لما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم أو كاره له أو لأصل الدين.

● النفاق الاعتقادي ليس مجردَ ضعفٍ في الإيمان، بل هو كفرٌ مُقنَّع، يطعنُ في أصل العقيدة ويهدمُ بنيان الدين من الداخل.

فالمنافق لا يعادي الإسلام جهارًا، لكنه يعمل على تقويضه خفيةً، كما يفعل السُّمّ في الجسد.

• قال تعالى: ﴿إِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ قَالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ ۗ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ﴾ (سورة المنافقون، الآية 1)

فهُم يشهدون باللسان ما يُخالف ما في القلوب، ويقلبون الإيمانَ كذبًا وزورًا.

⚫ خطورته وسبب كونه الكبيرة الأعظم .

النفاق الاعتقادي أشد خطراً على الإسلام والمسلمين من الكفر الصريح لسببين جوهريين:

* المخادعة والتمويه: المنافق يعيش بين المسلمين، وهو عدو يطعن من الداخل، لا يمكن للمؤمنين أن يأمنوا مكره أو أن يحذروا من خطره؛ لأنه يظهر في صورة الناصح والمؤمن.

* الشدة في العذاب: هذا النوع من النفاق يضاعف ذنب صاحبه؛ لأنه جمع بين الكفر بالله والاستهزاء به وبآياته ورسوله وبالمؤمنين، وهو نوع من الكفر المقترن بالمكر والخديعة.

لقد توعد الله المنافقين بأشد العذاب، فقال تعالى في محكم التنزيل، مؤكداً هذه الحقيقة المرعبة:

﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ وَلَن تَجِدَ لَهُمْ نَصِيرًا﴾ (سورة النساء: الآية 145).

الدرك الأسفل هو أشد مواضع النار عذابًا، لأن المنافق جمع بين كفر الكافر وغدر المؤمن.

يا له من وعيد، الدرك الأسفل من النار! وهو أشدها حراً وعذاباً، جزاءً وفاقاً لخداعهم ومكرهم الذي تجاوزوا به الكافر الصريح.

⚫ صفات المنافقين الاعتقاديين

● 1. الكذب والخداع:

• يظهرون الإيمان ويُخفون الكفر.

قال الله تعالى: ﴿يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَمَا يَخْدَعُونَ إِلَّا أَنفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ﴾ (سورة البقرة، الآية 9)

● 2. ضعف اليقين والشكّ في وعد الله:

• المنافق لا يثق بوعد الله، ولا يطمئن إلى نصره.

قال تعالى:

﴿يَحْسَبُونَ كُلَّ صَيْحَةٍ عَلَيْهِمْ ۚ هُمُ الْعَدُوُّ فَاحْذَرْهُمْ﴾ (سورة المنافقون، الآية 4)

● 3. التذبذب وعدم الثبات:

• لا إلى هؤلاء ولا إلى هؤلاء.

قال تعالى: ﴿مُذَبْذَبِينَ بَيْنَ ذَٰلِكَ لَا إِلَىٰ هَٰؤُلَاءِ وَلَا إِلَىٰ هَٰؤُلَاءِ) (سورة النساء، الآية 143)

● 4. بغض المؤمنين وحسدهم:

• المنافق يحقد على المؤمنين لصدقهم وإخلاصهم.

قال تعالى:

﴿إِن تَمْسَسْكُمْ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ وَإِن تُصِبْكُمْ سَيِّئَةٌ يَفْرَحُوا بِهَا﴾ (سورة آل عمران، الآية 120)

● 5. موالاة أعداء الله وعداوة أوليائه:

• قال تعالى: ﴿الَّذِينَ يَتَرَبَّصُونَ بِكُمْ فَإِن كَانَ لَكُمْ فَتْحٌ مِّنَ اللَّهِ قَالُوا أَلَمْ نَكُن مَّعَكُمْ وَإِن كَانَ لِلْكَافِرِينَ نَصِيبٌ قَالُوا أَلَمْ نَسْتَحْوِذْ عَلَيْكُمْ﴾ (سورة النساء، الآية 141)

⚫ صور وأركان النفاق الاعتقادي (الستة)

لقد ذكر العلماء ستة صور رئيسية للنفاق الاعتقادي تُعتبر أساساً لهذا الكفر الباطني، وهي متفقة في جوهرها على إبطان ما يناقض أصل الإيمان:

● الصورة الأولى: تكذيب الرسول صلى الله عليه وسلم، أو تكذيب بعض ما جاء به.

• فمن جحد أو كذّب ما ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم جحوداً تكذيباً، ولو شيئاً يسيراً من أصول الدين أو فروعه القطعية، فإنه كافر منافق اعتقاداً.

يقول الحق تبارك وتعالى: ﴿إِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ قَالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ ۗ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ﴾ (سورة المنافقون: الآية 1). فالله كذّب قولهم رغم شهادتهم، لأن شهادتهم مجردة من تصديق القلب.

● الصورة الثانية: بُغض الرسول صلى الله عليه وسلم، أو بُغض بعض ما جاء به.

• إن محبة النبي صلى الله عليه وسلم وشرعه شرط للإيمان. فمن أبغض شريعته أو شيئاً منها، لا لمجرد الطبع، بل كراهيةً للدين ذاته، فقد أبطن الكفر.

قال سبحانه: ﴿ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمْ كَرِهُوا مَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأَحْبَطَ أَعْمَالَهُمْ﴾ (سورة محمد: الآية 9). فكراهية ما أنزل الله سبب رئيسي لإحباط العمل كله، وهو دلالة على الكفر الباطني.

● الصورة الثالثة: المسرَّة بانخفاض دين الرسول صلى الله عليه وسلم.

• وهي الفرح والسرور بضعف الإسلام أو هزيمة المسلمين أو انتكاس أحوالهم.

وقد وصفهم الله بقوله: ﴿إِن تُصِبْكَ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ وَإِن تُصِبْكَ مُصِيبَةٌ يَقُولُوا قَدْ أَخَذْنَا أَمْرَنَا مِن قَبْلُ وَيَتَوَلَّوا وَّهُمْ فَرِحُونَ﴾ (سورة التوبة: الآية 50). فمَسَرَّتُهم بمصيبة المؤمنين دليل على عداوتهم المستترة.

● الصورة الرابعة: كراهية انتصار دين الرسول صلى الله عليه وسلم.

• وهي الشعور بالضيق والحزن لانتشار الإسلام وظهوره وعلوه.

والآية تشهد على حالهم في التكاسل عن الطاعات، فإذا انتصر المؤمنون ندموا وتأففوا، قال تعالى: ﴿وَلَوْ أَرَادُوا الْخُرُوجَ لَأَعَدُّوا لَهُ عُدَّةً وَلَٰكِن كَرِهَ اللَّهُ انبِعَاثَهُمْ فَثَبَّطَهُمْ وَقِيلَ اقْعُدُوا مَعَ الْقَاعِدِينَ﴾ (سورة التوبة: الآية 46).

● الصورة الخامسة: الاستهزاء بشيء من الدين أو بالرسول أو بآيات الله أو بالمؤمنين لأجل دينهم.

• يعد هذا من أخطر صور النفاق، فالسخرية من شعائر الدين أو من الآمرين بالمعروف والناهين عن المنكر، أو من أهل الصلاح لأجل صلاحهم، كفر بواح؛ لأنه يدل على احتقار الأمر المستهزأ به.

قال عز وجل: ﴿وَلَئِن سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ ۚ قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ * لَا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُم بَعْدَ إِيمَانِكُمْ﴾ (سورة التوبة: الآيتان 65-66).

● الصورة السادسة: مَوالاة الكفار والمشركين ومناصرتهم على المؤمنين.

• وهو أن يواليهم حباً ونصراً لكونهم كفاراً أو بغضاً للمؤمنين، وهذا يناقض أصل الولاء والبراء في الإسلام.

قال تعالى: ﴿بَشِّرِ الْمُنَافِقِينَ بِأَنَّ لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا * الَّذِينَ يَتَّخِذُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِن دُونِ الْمُؤْمِنِينَ ۚ أَيَبْتَغُونَ عِندَهُمُ الْعِزَّةَ فَإِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا﴾ (سورة النساء: الآيتان 138-139).

⚫ صور من النفاق الاعتقادي في العصور المختلفة

● في عهد النبي ﷺ:

كان رأس المنافقين عبد الله بن أُبيّ بن سلول، يُظهر الإسلام ويُضمر العداء، وقد قال الله فيه:

﴿هُمُ الَّذِينَ يَقُولُونَ لَا تُنفِقُوا عَلَىٰ مَنْ عِندَ رَسُولِ اللَّهِ حَتَّىٰ يَنفَضُّوا﴾

(سورة المنافقون، الآية 7)

● وفي العصور اللاحقة:

• يظهر المنافقون في ثياب المصلحين، يدّعون الغيرة على الدين وهم يسعون لهدمه.

• يرفعون شعارات براقة، ويخفون نيات خبيثة.

وهؤلاء أخطر على الأمة من أعدائها الظاهرين، لأنهم يتحدثون بلسانها ويطعنون في خاصرتها.

⚫ جزاء المنافقين الاعتقاديين وصفاتهم .

– المنافقون الذين يُظهرون الإسلام ويُخفون الكفر هم من أخطر الناس على الدين، ولهذا كان عقابهم شديدًا جدًّا، بل أشد من عقاب الكفار الصريحين. قال الله تعالى:

{إِنَّ المُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ وَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ نَصِيرًا} [النساء: 145].

وبيَّن الله سبحانه أن الاستغفار لهم لا ينفع، فقال:

{اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لاَ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللهُ لَهُمْ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللهِ وَرَسُولِهِ وَاللهُ لاَ يَهْدِي القَوْمَ الفَاسِقِينَ} [التوبة: 80].

كما حرّم الله على نبيّه ﷺ الصلاة عليهم أو الوقوف على قبورهم، فقال:

{وَلاَ تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا وَلاَ تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ إِنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللهِ وَرَسُولِهِ وَمَاتُوا وَهُمْ فَاسِقُونَ} [التوبة: 84].

وقد ذكرهم الله في القرآن كثيرًا، وفضح كذبهم، وبيَّن أنهم يصدّون عن سبيل الله، ويستكبرون، ولا يفقهون ولا يعقلون. ومن أخطر صفاتهم أنهم يُوالون الكفار، ويعقدون العلاقات معهم سرًّا وعلانية. قال تعالى:

{فَتَرَى الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ يُسَارِعُونَ فِيهِمْ يَقُولُونَ نَخْشَى أَنْ تُصِيبَنَا دَائِرَةٌ…} [المائدة: 52].

وقال سبحانه أيضًا عنهم:

{إِنَّ الَّذِينَ ارْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الهُدَى…} [محمد: 25 – 28].

” إن المنافقين كانوا يعتذرون عن موالاتهم لليهود بأنهم يخافون تغيّر الأحوال وتقلب الزمن، وأن يمرّوا بظروف يحتاجون فيها إلى نصرة اليهود، والله بيّن في الآية أن هذه “الدوائر” لن تقع إلا على اليهود أنفسهم، ولن تصيب المؤمنين، فقال تعالى:

{فَعَسَى اللهُ أَنْ يَاتِيَ بِالفَتْحِ أَوْ أَمْرٍ مِنْ عِنْدِهِ فَيُصْبِحُوا عَلَى مَا أَسَرُّوا فِي أَنْفُسِهِمْ نَادِمِينَ}.

و”الفتح” قد يكون فتح البلاد، أو الحكم الفصل بين الحق والباطل، مثل حكم الله في بني النضير وبني قريظة، أو فتح مكة”.

انظر: أضواء البيان (5/ 148)

⚫ وسائل وسبل الوقاية والسلامة من النفاق الاعتقادي

إن الخوف من النفاق كان ديدن الصالحين والصحابة الكرام. يقول التابعي الجليل ابنُ أبي مُليكَةَ. أدركتُ ثلاثينَ من أصحابِ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم كلُّهم يخافُ النِّفاقَ على نفسهِ، ما منهم أحدٌ يقولُ إنَّه على إيمانِ جبريلَ وميكائيلَ”

فتح الباري لابن حجر 1/135

فالحذر كل الحذر من هذا الداء العضال، وسبيل النجاة يكمن في:

● تحقيق الإخلاص الباطني:

• الإخلاص هو السور الحصين الذي يقي من النفاق. وهو أن تكون السريرة أصفى من العلانية، وأن يكون العمل كله لله لا لمرضاة الناس.

الآية الدالة: قال تعالى: ﴿فَمَن كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا﴾ (سورة الكهف: الآية 110).

● صدق الإيمان

• قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾

(سورة النساء، الآية 136)

أي جدّدوا إيمانكم دائمًا، وثبّتوه بالعمل الصالح.

● المداومة على محاسبة النفس:

• لا بد للمسلم أن يتفقد قلبه دائماً، وأن يراجع نفسه في مواقفه وأقواله وأفعاله، فهل يضيق صدره بانتصار الإسلام؟ وهل يستهزئ بشيء من الدين؟ وهل يداهن في الحق خوفاً من الناس؟

● الصدق في اللسان والقلب:

• الصدق هو النقيض الأبرز للنفاق. الزموا الصدق في جميع أحوالكم، ظاهراً وباطناً، فإن الصدق يهدي إلى البر، والبر يهدي إلى الجنة.

عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: « عليكم بالصِّدقِ فإنَّ الصِّدقَ يَهدي إلى البرِّ وإنَّ البرَّ يَهدي إلى الجنَّةِ وما يزالُ الرَّجلُ يصدقُ ،ويتحرَّى الصِّدقَ حتَّى يُكتبَ عندَ اللهِ صدِّيقًا وإيَّاكم والكذبَ فإنَّ الكذبَ يَهدي إلى الفجورِ، وإنَّ الفجورَ يَهدي إلى النَّارِ ،وما يزالُ العبدُ يَكذبُ ويتحرَّى الكذبَ حتَّى يُكتبَ عندَ اللهِ كذَّابًا”

أخرجه الترمذي (1971) واللفظ له، وأخرجه البخاري (6094)، ومسلم (2607) باختلاف يسير

● الحرص على صحبة الصالحين:

• لأن البيئة الصالحة تُطهّر القلب من الرياء والازدواجية.

● الإكثار من الدعاء والتضرع:

• قال تعالى:

﴿رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا﴾ (سورة آل عمران، الآية 😎

إليك فقرة قصيرة بنفس النَّفَس و أسلوب دوم لكنها تتحدث عن النفاق العملي بشكل واضح وسهل:

أيها الحضور الكرام، إنَّ النفاق العملي ليس كفرًا باطنًا، لكنه خُلُقٌ مُظلم يفسد القلب، ويشوّه صاحبَه أمام الله قبل الناس.

النفاق العملي هو تلك الصفات التي حذَّر منها النبي ﷺ حين قال:

«آيَةُ الْمُنَافِقِ ثَلاثٌ: إِذَا حَدَّثَ كَذَبَ، وَإِذَا وَعَدَ أَخْلَفَ، وَإِذَا اؤْتُمِنَ خَانَ».

فمن تساهل في الكذب، وخان الأمانة، ونقض العهد، فقد صار من المنافقين دون أن يشعر.

فاحذروا ـ رحمكم الله ـ من هذه الصفات، وراقبوا قلوبكم، فإنَّ القلب إذا صَلَح صَلَحَتِ الجوارح، وإذا فسدَ فسدت. وليكن باطنُكم خيرًا من ظاهرِكم، فالله سبحانه يعلم السرَّ وأخفى.

أما النفاق الاعتقادي فهو كفر باطني يتخذ من مظاهر الإسلام سُلَّماً لغايات خبيثة، ومن ثم كانت عقوبته أشد.

إنَّ النفاق الاعتقادي جريمةٌ في حقِّ الله والإنسانية والإيمان، لأنه يُدمّر الثقة بين المؤمنين، ويهدم بناء الأمة من الداخل.

فليحذر المؤمن من أن يتسرّب إلى قلبه شيء من صفات المنافقين، صغيرها قبل كبيرها.

ولْيستمسك بحبل الله، وليجعل سريرته أطهر من علانيته، فإن الله لا ينظر إلى صورنا ولا إلى أموالنا، ولكن ينظر إلى قلوبنا وأعمالنا.

قال ﷺ: «إن الله لا ينظر إلى صوركم وأموالكم، ولكن ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم»

أخرجه مسلم (2564).

علينا أن نكون على حذر دائم، وأن نراقب دواخلنا قبل ظواهرنا، فإن الله تعالى ينظر إلى قلوبنا وأعمالنا، لا إلى صورنا وأجسامنا.

نسأل الله تعالى أن يطهر قلوبنا من كل نفاق، وأن يجعلنا من الصادقين المخلصين، وأن يثبتنا على الإيمان والصدق حتى نلقاه وهو راضٍ عنا.

اللهم طهّر قلوبنا من النفاق، وأعمالنا من الرياء، وألسنتنا من الكذب، وأعيننا من الخيانة، إنك تعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور.

اللهم اجعلنا من عبادك الصادقين الذين إذا وُعِدوا وفوا، وإذا أُتمنوا أدَّوا، وإذا خاصموا عفوا، وإذا عاهدوا ثبتوا.

اللهم أحيِ قلوبنا بنور الإيمان، ونجِّنا من ظلمات النفاق، برحمتك يا أرحم الراحمين.