
رئيس اتحاد الوطن العربي الدولي يؤكد أن خدمة المرأة لزوجها واجبة
بقلم / المفكر العربي الدكتور خالد محمود عبد القوي عبد اللطيف
مؤسس ورئيس اتحاد الوطن العربي الدولي
رئيس الإتحاد العالمي للعلماء والباحثين
مما لاشك فيه أن الحياة الزوجية شراكة مقدسة تبنى على المودة والرحمة، وتتكامل فيها الأدوار والواجبات لاستقرار الأسرة المسلمة وصلاح المجتمع.
وفي هذا السياق، تبرز مسألة خدمة الزوجة لزوجها كأصل استقرت عليه أحكام الشريعة وعادات المسلمين عبر العصور.
• وخدمة المرأة لزوجها واجبة
وهذه هي الأدلة المتضافرة من الكتاب والسنة، والآثار عن الصحابة، والمعقول الصحيح، والمقاصد الشرعية.
● أدلة الوجوب من القرآن الكريم
• الدليل الأول: قوله تعالى: ﴿وَعَاشِرُوهُنَّ بِٱلۡمَعۡرُوفِۚ﴾ [النساء: 19]
هذه الآية الكريمة أصل عظيم في تنظيم الحقوق الزوجية، وهي أمر من الله تعالى للأزواج بأن يعاشروا زوجاتهم بالمعروف. ووجه الاستدلال بها على وجوب الخدمة: أن خدمة المرأة لزوجها، وقيامها بشؤون بيته، من صميم المعاشرة بالمعروف التي جرت بها عادة المسلمين منذ عهد النبوة. فلو لم تخدم الزوجة زوجها، وكان هو القائم بذلك وهي فارغة، لكان ذلك خلاف المعروف، ونقصًا في المعاشرة المأمور بها. والمعروف في قوله تعالى: ﴿بِٱلۡمَعۡرُوفِ﴾ [النساء: 19] يشمل كل ما تعارف عليه الناس مما لا يخالف الشرع، ومن أعظم ما استقر عليه عرف المسلمين منذ فجر الإسلام: قيام الزوجة بشؤون بيتها. وهذا أمر لا يماري فيه منصف.
• الدليل الثاني: قوله تعالى: ﴿وَلَهُنَّ مِثۡلُ ٱلَّذِي عَلَيۡهِنَّ بِٱلۡمَعۡرُوفِۚ﴾ [البقرة: 228]
– هذه الآية قاعدة كلية في باب الحقوق الزوجية، فهي توجب أن للنساء من الحقوق على أزواجهن مثل ما للرجال عليهن، وهذا كله مقيد بـ”المعروف”.
ووجه الدلالة هنا: أن الآية دلت على وجوب مقابلة الحق بالحق بالمعروف، فإذا كان الرجل مطالبًا بالإنفاق والكسوة والمسكن والقيام بشؤون زوجته الخارجية، فإن مقتضى المعروف أن تقابل الزوجة ذلك بالقيام بشؤون البيت الداخلة التي لا يقوم بها غيرها في الغالب. وهذا الفهم هو الذي فهمه سلف الأمة، وطبقوه في بيوتهم، وهو الذي يجعل الأسرة متوازنة، يؤدي كل طرف فيها واجبه نحو الآخر.
« فللنِّساءِ على الرِّجالِ مِن الحَقِّ مِثلَ ما للرِّجالِ عليهنَّ؛ فلْيؤدِّ كُلُّ واحدٍ منهما إلى الآخَرِ ما يجِبُ عليه بالمعروفِ »
<تفسير ابن كثير (1/609)>
• الدليل الثالث: قوله تعالى: ﴿ٱلرِّجَالُ قَوَّٰمُونَ عَلَى ٱلنِّسَآءِ بِمَا فَضَّلَ ٱللَّهُ بَعۡضَهُمۡ عَلَىٰ بَعۡضٖ وَبِمَآ أَنفَقُواْ مِنۡ أَمۡوَٰلِهِمۡۚ﴾ [النساء: 34]
وجه الدلالة من هذه الآية بينه الإمام ابن القيم رحمه الله بقوله: “وإذا لم تخدمه المرأة، بل يكون هو الخادم لها، فهي القوامة عليه”. وهذا الاستدلال دقيق، فإن الآية جعلت الرجل قوّامًا على المرأة، والقِوامة تقتضي رياسة وتدبيرًا، ومن مقتضيات هذه الرياسة أن تكون المرأة في بيت زوجها معينة له على شؤونه، لا أن تكون هي المخدومة وهو الخادم، لأن ذلك ينافي معنى القوامة التي أثبتها الله للرجل. فالخدمة إذن من لوازم القوامة ومكملاتها، وبدونها تختل وظيفة الأسرة وتضطرب الأدوار.
● أدلة الوجوب من السنة النبوية المطهرة
• الدليل الرابع : حديث فاطمة وعلي رضي الله عنهما
١- عن عليٍّ رَضِيَ اللهُ عنه: ((أنَّ فاطِمةَ رَضِيَ اللهُ عنها أتت النبيَّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم تشكو إليه ما تَلقَى في يَدِها مِنَ الرَّحى، وبَلَغَها أنَّه جاءه رقيقٌ فلم تُصادِفْه، فذكَرَت ذلك لعائشةَ، فلمَّا جاء أخبَرَته عائِشةُ، قال: فجاءَنا وقد أخَذْنا مضاجِعَنا، فذهَبْنا نقومُ، فقال: على مَكانِكما! فجاء فقعد بيني وبينها حتى وجدتُ بَردَ قَدَميه على بَطني، فقال: ألا أدُلُّكما على خيرٍ مِمَّا سألتُما: إذا أخَذْتُما مَضاجِعَكما -أو أويتُما إلى فِراشِكما- فسَبِّحا ثلاثًا وثلاثين، واحمَدا ثلاثًا وثلاثين، وكبِّرا أربعًا وثلاثين؛ فهو خيرٌ لكما من خادمٍ )) <أخرجه البخاري (5361) واللفظ له، ومسلم (2727).>
وجه الدلالة: هذا الحديث من أصرح الأدلة وأقواها في المسألة، وفيه دلالات متعددة:
· أن فاطمة رضي الله عنها، وهي سيدة نساء العالمين، وبضعة النبي ﷺ، كانت تخدم زوجها عليًا رضي الله عنه، حتى إنها كانت تطحن بالرحى بيدها حتى تأثرت بذلك.
· أنها شكت إلى النبي ﷺ ما تجده من تعب الخدمة، وطلبت خادمًا، فلم يأمرها النبي ﷺ بترك الخدمة، بل وجهها إلى ما هو خير من الخادم، وهو الذكر.
· “والنبي ﷺ هو المشرع، الذي لا يقول إلا الحق، ولا يحابي في الحكم أحدًا،<زاد المعاد)) لابن القيم (5/171)> ولو كان حق الزوجة ألا تخدم زوجها، لقال لعلي: «الخدمة عليك لا عليها»، ولكنه لم يفعل، بل دل على أن الخدمة شعبة من شعب الزوجية.
· وفيه تقسيم عملي للأدوار: الخدمة الباطنة على المرأة، والخدمة الظاهرة على الرجل.
• الدليل الخامس : حديث أسماء بنت أبي بكر رضي الله عنها
٢-عن أسماءَ بنتِ أبي بكرٍ رَضِيَ اللهُ عنهما قالت: ((تزوَّجني الزُّبيرُ وما له في الأرضِ مِن مالٍ ولا مملوكٍ ولا شيءٍ غيرُ فَرَسِه، قالت: فكنتُ أعلِفُ فَرَسه، وأكفيه مَؤونَتَه وأسوسُه، وأدُقُّ النوى لناضِحِه، وأعلِفُه، وأستقي الماءَ، وأخرِزُ غَرْبَه(أي: وأَخِيطُ دَلْوَه).< يُنظر: ((إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري)) للقسطلاني (8/ 111).>
وأعجِنُ، ولم أكُنْ أُحسِنُ أخبِزُ، وكان يخبِزُ لي جاراتٌ من الأنصارِ، وكُنَّ نِسوةَ صِدقٍ، قالت: وكنتُ أنقُلُ النَّوى من أرضِ الزُّبيرِ التي أقطَعَه رسولُ الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، على رأسي، وهي على ثُلُثَي فرسَخٍ، قالت: فجئتُ يومًا والنَّوى على رأسي، فلَقيتُ رَسولَ الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم ومعه نفرٌ مِن أصحابه، فدعاني، ثم قال: «إخْ إخْ» ليحمِلَني خَلْفَه، قالت: فاستحييتُ وعَرَفتُ غَيرتَك، فقال: واللهِ لحَمْلُك النَّوى على رأسِك أشَدُّ مِن ركوبِك معه، قالت: حتى أرسَلَ إليَّ أبو بكرٍ بعد ذلك بخادمٍ، فكفَتْني سياسةَ الفَرَسِ، فكأنَّما أعتقَتْني )) <أخرجه البخاري (5224)، ومسلم (2182) واللفظ له. >
وجه الدلالة: هذا الحديث فيه من الدلائل على وجوب الخدمة ما لا يخفى:
· أن أسماء رضي الله عنها كانت تقوم بخدمة بيت زوجها الزبير بن العوام رضي الله عنه على أتم وجه، فكانت تعلف فرسه، وتستقي الماء، وتعجن، وتنقل النوى على رأسها.
· أن النبي ﷺ رآها على تلك الحال، وهي تحمل النوى على رأسها، والزبير رضي الله عنه معه، فلم ينكر عليها فعلها، ولم يقل للزبير: «ألا تخدم زوجتك!» أو «هذا ظلم لها!»، بل أقره وأقر الزبير على ذلك.
· أن إقرار النبي ﷺ على هذا الفعل دليل شرعي على جوازه وعدم حرمته، بل هو دليل على أنه من المعروف الذي ينبغي أن يكون.
ويؤكد هذا أن الخدمة لما اشتدت عليها، أرسل إليها أبو بكر رضي الله عنه بخادم، ففرحت بذلك فرح من أعتق من رق، ولو كانت الخدمة غير واجبة عليها شرعًا، لأنكر النبي ﷺ على الزبير ما يكلفها به.
· كما أن الحديث يدل بعمومه على أن إقرار النبي ﷺ لم يقتصر على الزبير وأسماء، بل قال الإمام ابن القيم: ” إنَّ الرَّسولَ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم لَمَّا رأى أسماءَ والعَلَفُ على رأسِها، والزُّبَيرُ معه، لم يَقُلْ له: لا خِدمةَ عليها، وإنَّ هذا ظُلمٌ لها، بل أقَرَّه على استخدامِها، وأقَرَّ سائِرَ أصحابِه على استخدامِ أزواجِهم، مع عِلمِه بأنَّ منهنَّ الكارِهةَ والرَّاضيةَ
< ((زاد المعاد)) لابن القيم (5/171).>
• الدليل السادس : حديث عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها
٣- عن أم المؤمنين
عائشةَ رَضِيَ اللهُ عنها قالت: ((كنتُ أغسِلُ الجَنابةَ مِن ثَوبِ النبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، فيَخرُجُ إلى الصَّلاةِ، وإنَّ بُقَعَ الماءِ في ثَوبِه )) <أخرجه البخاري (229).> وفي لفظِ مُسلمٍ: ((لقد رأيتُني أفرُكُه من ثوبِ رَسولِ الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم فَركًا، فيُصَلِّي فيه ))<أخرجه مسلم (288)>
وجه الدلالة: هذا الحديث وما في معناه من أحاديث خدمة أمهات المؤمنين للنبي ﷺ يدل على أن خدمة الزوجة لزوجها، في غسل ثيابه ونحوها، مما جرت به سنة النبي ﷺ العملية مع أزواجه.
«، وهو مِن حُسنِ العِشرةِ وجَميلِ الصُّحبةِ»<الإعلام بفوائد عمدة الأحكام)) لابن الملقن (2/82).
فالنبي ﷺ كان يأمر نساءه بخدمته، كما في الروايات الأخرى: «يا عائشة أطعمينا، يا عائشة هلمي المدية واشحذيها بحجر». وهذا الفعل من النبي ﷺ يدل على أن هذه الخدمة من حقه على زوجته، لا أنها مجرد تبرع، وإلا لكان النبي ﷺ وهو أزهد الناس في حقوقه، وأحرصهم على التخفيف عن أهله، لا يطلب ذلك منهن.
● أدلة الوجوب من المعقول والمقاصد الشرعية
• الدليل السابع:
مقابلة الحقوق بالواجبات
قال الإمام ابن القيم رحمه الله مبينًا هذا الدليل: “
«إنَّما أوجب اللهُ سبحانه نفقَتَها وكِسوتَها ومَسكَنَها في مقابلةِ استِمتاعِه بها وخِدمتِها، وما جرت به عادةُ الأزواجِ، وأمَّا المهرُ ففي مُقابلةِ البُضْعِ، وكلٌّ مِن الزَّوجينِ يَقضي وطَرَه مِن صاحِبِه»<(زاد المعاد)) لابن القيم (5/171).>
وهذا التعليل في غاية القوة، وهو يبين حكمة التشريع في توزيع الأدوار الزوجية، فالزوجة بذلت نفسها لزوجها، والزوج يبذل ماله وجهده في الإنفاق والكسب، فكان من تمام العدل أن تقوم الزوجة بخدمة بيتها في مقابل ذلك. وبهذا تنتظم الحياة الزوجية، ويقوم كل طرف بما يستطيعه ويحسنه.
• الدليل الثامن :
تنزيل العقود المطلقة على العرف
من القواعد الفقهية الكبرى المقررة أن “المعروف عرفًا كالمشروط شرطًا”. والنكاح عقد مطلق، لم يشترط فيه الزوج على زوجته خدمة، ولا اشترطت هي أن لا تخدم، فيكون المرجع في بيان ما يترتب على هذا العقد من التزامات إلى العرف والعادة المستقرة بين المسلمين.
ومن المعلوم بالضرورة أن عرف المسلمين منذ عهد النبوة إلى يومنا هذا قد استقر على أن المرأة تخدم في بيت زوجها، تقوم بشؤونه الداخلة، والزوج يخدم أهله بكسبه وعمله خارج البيت. وهذا العرف قد أقرته النصوص الشرعية ولم تنكره. قال ابن القيم: “فإن العقود المطلقة إنما تنزّل على العرف، والعرف خدمة المرأة، وقيامها بمصالح البيت الداخلة”.
• الدليل التاسع :
اعتبار النكاح نوعًا من الرق الخاص
وهذا المعنى أشار إليه بعض السلف، وقرره ابن القيم، وهو أن عقد النكاح فيه شائبة من الرق، ولكنها شائبة خاصة، تنبني عليها حقوق وواجبات خاصة. فالمرأة في بيت زوجها أسيرة له، كما سماها النبي ﷺ “عانية”، والعاني هو الأسير، والأسير يخدم سيده. قال ابن القيم: “وقد سمى النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح المرأة عانية، فقال: اتقوا الله في النساء، فإنهن عوانٍ عندكم، والعانى: الأسير، ومرتبة الأسير خدمة من هو تحت يده، ولا ريب أن النكاح نوع من الرق، كما قال بعض السلف: النكاح رق، فلينظر أحدكم عند من يرق كريمته”.
• الدليل العاشر : قياس الأولى من حديث النقل بين الجبلين
استدل الجوزجاني بحديث: “لو أمرت أحدًا أن يسجد لأحد لأمرت المرأة أن تسجد لزوجها، ولو أن رجلا أمر امرأته أن تنقل من جبل أحمر إلى جبل أسود، ومن جبل أسود إلى جبل أحمر لكان نولها [حقها] أن تفعل”. قال الجوزجاني: “فهذه طاعته فيما لا منفعة فيه، فكيف بمؤنة معاشه”.
والحديث وإن كان على سبيل المجاز وليس الحقيقه إلا أنه يعطي هذه الإشاره
وهذا قياس في غاية الوضوح، فإنه إذا كان للزوج على زوجته من الحق ما يجعلها تطيعه في أمر ليس فيه منفعة لأحد، فكيف بأمر فيه منفعة له ولها ولأسرتها، وهو قيامها بشؤون بيتها ومعاشها؟ إن هذا من باب أولى.
اللهم أصلح بيوت المسلمين، واجمع بين الأزواج والزوجات على المودة والرحمة والوئام، ووفقهم لأداء

