رئيس اتحاد الوطن العربي الدولي يؤكد أن يوم عرفة يوم عظيم حيث

رئيس اتحاد الوطن العربي الدولي يؤكد أن يوم عرفة يوم عظيم

بقلم / المفكر العربي الدكتور خالد محمود عبد القوي عبد اللطيف

مؤسس ورئيس اتحاد الوطن العربي الدولي

رئيس الإتحاد العالمي للعلماء والباحثين

مما لاشك فيه أن يوم عرفة يوم عَظِيمٍ، يَوْمٍ هُوَ تَاجُ الأَيَّامِ وَدرْوَتُهَا، إِنَّهُ يَوْمُ عَرَفَةَ، اليَوْمُ الَّذِي تَشْرُفُ فِيهِ الأَرْضُ بِمَسِّ أَقْدَامِ الحَجِيجِ، وَتَزْدَلِفُ فِيهِ السَّمَاءُ بِفَيْضِ الرَّحَمَاتِ

إنه يَوْمٌ شَرُفَ خَبَرُهُ، وَتَوَالَتْ فِيهِ النِّعَمُ ، إِنَّهُ يَوْمُ عَرَفَةَ، تَاجُ الأَيَّامِ، وَمَوْسِمُ الغُفْرَانِ، وَمِيعَادُ العِتْقِ مِنَ النِّيرَانِ. يَوْمٌ تَتَنَزَّلُ فِيهِ الرَّحَمَاتُ تَتْرىٰ، وَتُفْتَحُ لِلدَّاعِينَ أَبْوَابُ السَّمَاءِ كُبْرَىٰ. يَوْمٌ يُكْمِلُ اللَّهُ فِيهِ الدِّينَ وَيُتِمُّ النِّعْمَةَ، وَيُبَاهِي بِأَهْلِ المَوْقِفِ مَلَائِكَتَهُ فِي عُلْيَا الجَنَّةِ. فِيهِ الأَبْدَانُ شُعْثٌ، وَالأَصْوَاتُ ضَجَّةٌ بِالتَّلْبِيَةِ، وَالقُلُوبُ وَجِلَةٌ تَسْكُبُ العَبَرَةَ، تَطْلُبُ المَغْفِرَةَ، وَتَرْجُو العِتْقَ مِنَ السَّقَرَةِ. فَطُوبَىٰ لِمَنْ صَامَهُ مُحْتَسِبًا، وَذَكَرَ اللَّهَ فِيهِ مُتَقَرِّبًا، فَذَاكَ حَرِيٌّ بِتَكْفِيرِ سَنَتَيْنِ، وَنَيْلِ الرِّضْوَانِ وَالأَمْنِ فِي الدَّارَيْنِ.

فتعالوا لِنَقِفَ اليَوْمَ وَقَفَاتٍ إِيمَانِيَّةً وَعِلْمِيَّةً مَعَ هَذَا اليَوْمِ المَجِيدِ، مُسْتَجْلِينَ أَسْرَارَهُ، وَمُتَلِّمِسِينَ لِنَفَحَاتِهِ، لِنَبْنِيَ بِذَلِكَ جِسْرًا مِنَ النُّورِ بَيْنَنَا وَبَيْنَ رَبِّنَا تَبَارَكَ وَتَعَالَىٰ.

🔘 تَمْهِيدٌ فِي مَنْزِلَةِ اليَوْمِ وَعُلُوِّ قَدْرِهِ .

إِنَّ لِلَّهِ تَعَالَىٰ فِي خَلْقِهِ أَيَّامًا اصْطَفَاهَا، وَأَوْقَاتًا فَضَّلَهَا، تَتَنَزَّلُ فِيهَا الرَّحَمَاتُ، وَتُرْفَعُ فِيهَا الدَّرَجَاتُ، وَتُكَفَّرُ فِيهَا السَّيِّئَاتُ. وَمِنْ أَجَلِّ هَذِهِ الأَيَّامِ وَأَعْظَمِهَا عَلَىٰ الإِطْلَاقِ هُوَ يَوْمُ عَرَفَةَ. إِنَّهُ لَيْسَ مُجَرَّدَ تَارِيخٍ فِي التَّقْوِيمِ، بَلْ هُوَ مِحْوَرُ الحَجِّ الأَكْبَرِ، وَمِيثَاقُ الغُفْرَانِ، وَمَيْعَادُ العِتْقِ مِنَ النِّيرَانِ. لَقَدْ شَهِدَ اللَّهُ لِهَذَا اليَوْمِ بِالعِظَمِ، وَأَقْسَمَ بِهِ فِي كِتَابِهِ العَزِيزِ إِذْ يَقُولُ جَلَّ ذِكْرُهُ: (وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الْبُرُوجِ (1) وَالْيَوْمِ الْمَوْعُودِ (2) وَشَاهِدٍ وَمَشْهُودٍ (3)) [البروج: 1-3]، وَقَدْ ذَهَبَ جُمْهُورُ المُفَسِّرِينَ إِلَىٰ أَنَّ “اليَوْمَ المَوْعُودَ” هُوَ يَوْمُ القِيَامَةِ، وَأَمَّا “الشَّاهِدُ” فَهُوَ يَوْمُ الجُمُعَةِ، وَ”المَشْهُودُ” هُوَ يَوْمُ عَرَفَةَ؛ يَشْهَدُهُ جُمُوعُ الحَجِيجِ، وَتَشْهَدُ لَهُمُ المَلَائِكَةُ بِالخُضُوعِ وَالضَّرَاعَةِ. فَسُبْحَانَ مَنْ أَقْسَمَ بِيَوْمٍ بِعَيْنِهِ تَعْظِيمًا لِشَأْنِهِ، وَتَفْخِيمًا لِقَدْرِهِ.

🟢 وحديثنا عن يوم عرفه يأتي تحت هذه العناصر:

⚫ العُنْصُرُ الأَوَّلُ: سَبَبُ تَسْمِيَتِهِ وَجُذُورُ التَّارِيخِ

قَبْلَ أَنْ نَخُوضَ فِي لُجَجِ فَضَائِلِهِ، يَحْسُنُ بِنَا أَنْ نَتَأَمَّلَ فِي سَبَبِ تَسْمِيَةِ هَذَا المَوْطِنِ الشَّرِيفِ. لَقَدْ ذَكَرَ الإِمَامُ القُرْطَبِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ فِي تَفْسِيرِهِ مَعَانِيَ جَلِيلَةً:

● التَّعَارُفُ بَيْنَ الخَلْقِ: فَسُمِّيَ بِذَلِكَ لِأَنَّ النَّاسَ يَتَعَارَفُونَ فِيهِ، إِذْ يَلْتَقِي الحُجَّاجُ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ، فَيَعْرِفُ بَعْضُهُمْ بَعْضًا، وَتَتَلَاقَى الأَرْوَاحُ قَبْلَ الأَبْدَانِ فِي رِحَابِ التَّوْحِيدِ.

● حِوَارُ السَّمَاءِ مَعَ خَلِيلِ الرَّحْمَنِ: وَقِيلَ لِأَنَّ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلَامُ طَافَ بِإِبْرَاهِيمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ فَكَانَ يُرِيهِ المَشَاعِرَ، فَيَقُولُ لَهُ: “أَعَرَفْتَ؟ أَعَرَفْتَ؟”، فَيَقُولُ إِبْرَاهِيمُ: “عَرَفْتُ، عَرَفْتُ”. فَهُوَ مَوْطِنُ المَعْرِفَةِ، مَعْرِفَةُ المَنَاسِكِ، وَمَعْرِفَةُ اللَّهِ.

● مَلْحَمَةُ التَّوْبَةِ الأُولَىٰ: وَقِيلَ بَلْ لِأَنَّ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ لَمَّا هَبَطَ مِنَ الجَنَّةِ هُوَ وَزَوْجُهُ حَوَّاءُ، التَقَيَا فِي ذَلِكَ المَكَانِ، فَعَرَفَهَا وَعَرَفَتْهُ، وَكَانَ هَذَا اللَّقَاءُ رَمْزًا لِبِدَايَةِ رِحْلَةِ الإِنْسَانِ عَلَىٰ الأَرْضِ، وَرِحْلَةِ عَوْدَتِهِ إِلَىٰ اللَّهِ بِالتَّوْبَةِ. وَفِي هَذَا إِيمَاءَةٌ لَطِيفَةٌ إِلَىٰ أَنَّ عَرَفَةَ مَوطِنُ تَلَاقِي الأَرْوَاحِ وَاجْتِمَاعِ القُلُوبِ عَلَىٰ طَاعَةِ اللَّهِ.

⚫ العُنْصُرُ الثَّانِي: مَكَانَةُ عَرَفَةَ مِنَ القُرْآنِ الكَرِيمِ

إِنَّ هَذَا اليَوْمَ العَظِيمَ قَدْ تَضَافَرَتْ عَلَىٰ فَضْلِهِ أَدِلَّةُ الكِتَابِ العَزِيزِ، وَشَهِدَ لَهُ الذِّكْرُ الحَكِيمُ مِنْ وُجُوهٍ عَدِيدَةٍ:

● كَوْنُهُ مِنْ أَيَّامِ الحَجِّ المَعْلُومَاتِ: قَالَ تَعَالَىٰ: (الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَّعْلُومَاتٌ ۚ فَمَن فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ ۗ وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ اللَّهُ ۗ وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَىٰ ۚ وَاتَّقُونِ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ) [البقرة: 197]. وَيَوْمُ عَرَفَةَ هُوَ سَيِّدُ هَذِهِ الأَشْهُرِ، وَقِمَّةُ هَذِهِ المَنَاسِكِ.

● كَوْنُهُ مِنَ الأَيَّامِ المَعْلُومَاتِ الَّتِي أَمَرَ اللَّهُ بِذِكْرِهِ فِيهَا: قَالَ جَلَّ شَأْنُهُ: (لِّيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَّعْلُومَاتٍ عَلَىٰ مَا رَزَقَهُم مِّن بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ ۖ فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ) [الحج: 28]. وَالأَيَّامُ المَعْلُومَاتُ هِيَ عَشْرُ ذِي الحِجَّةِ، وَيَوْمُ عَرَفَةَ جَوْهَرَتُهَا الثَّامِنَةُ وَالتَّاسِعَةُ.

● كَوْنُهُ مِنَ الأَيَّامِ العَشْرِ المَقْسُومِ بِهَا: لَقَدْ أَقْسَمَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ بِقَوْلِهِ: (وَالْفَجْرِ (1) وَلَيَالٍ عَشْرٍ (2)) [الفجر: 1-2]. وَقَدْ صَحَّ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا أَنَّهَا العَشْرُ الأَوَائِلُ مِنْ ذِي الحِجَّةِ. وَيَكْفِي هَذَا اليَوْمَ شَرَفًا أَنَّهُ أَحَدُ أَيَّامِ اللَّيَالِي الَّتِي أَقْسَمَ بِهَا رَبُّ العِزَّةِ، وَفِي القَسَمِ تَنْبِيهٌ عَلَىٰ شَرَفِ قَدْرِهَا وَعِظَمِ أَجْرِهَا.

● مَنْزِلَةُ الأَشْهُرِ الحُرُمِ: إِنَّ يَوْمَ عَرَفَةَ وَاقِعٌ فِي شَهْرِ ذِي الحِجَّةِ، وَهُوَ أَحَدُ الأَشْهُرِ الحُرُمِ الَّتِي عَظَّمَهَا اللَّهُ فِي قَوْلِهِ: (إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِندَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا فِي كِتَابِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ۚ ذَٰلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ ۚ فَلَا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنفُسَكُمْ ۚ) [التوبة: 36]. فَهُوَ يَوْمٌ اجْتَمَعَ فِيهِ شَرَفُ الزَّمَانِ (الأَشْهُرُ الحُرُمُ) وَشَرَفُ المَكَانِ (عَرَفَةُ) وَشَرَفُ العَمَلِ (الحَجُّ).

⚫ العُنْصُرُ الثَّالِثُ: إِكْمَالُ الدِّينِ وَإِتْمَامُ النِّعْمَةِ – ذُرْوَةُ الفَضَائِلِ

أَيُّهَا المُؤْمِنُونَ، إِنَّ فَضَائِلَ يَوْمِ عَرَفَةَ لَتَزْدَحِمُ فِي صَحَائِفِ السُّنَّةِ وَالتَّارِيخِ، إِلَّا أَنَّ هُنَاكَ شَرَفًا لَا يُدَانِيهِ شَرَفٌ، وَنُورًا لَا يُضَاهِيهِ نُورٌ، حِينَ اخْتَارَ اللَّهُ تَعَالَىٰ هَذَا اليَوْمَ لِيَكُونَ ظَرْفًا لِإِكْمَالِ الدِّينِ وَإِتْمَامِ النِّعْمَةِ. إِنَّهُ اليَوْمُ الَّذِي تَأَذَّنَ فِيهِ رَبُّ العِزَّةِ بِتَمَامِ الرِّسَالَةِ، وَكَمَالِ البِنَاءِ الإِسْلَامِيِّ، قَالَ تَعَالَىٰ: (الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا ۚ) [المائدة: 3].

لِنَتَأَمَّلْ مَعًا قَوْلَ عُمَرَ بْنِ الخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ حِينَ سَأَلَهُ رَجُلٌ مِنَ اليَهُودِ كَمَا فِي الصَّحِيحَيْنِ: «جَاءَ رَجُلٌ مِنَ الْيَهُودِ إِلَى عُمَرَ فَقَالَ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، آيَةٌ فِي كِتَابِكُمْ تَقْرَؤُونَهَا لَوْ عَلَيْنَا نَزَلَتْ مَعْشَرَ الْيَهُودِ، لَاتَّخَذْنَا ذَلِكَ الْيَوْمَ عِيدًا، قَالَ: وَأَيُّ آيَةٍ؟ قَالَ: ﴿ٱلۡیَوۡمَ أَكۡمَلۡتُ لَكُمۡ دِینَكُمۡ وَأَتۡمَمۡتُ عَلَیۡكُمۡ نِعۡمَتِی وَرَضِیتُ لَكُمُ ٱلۡإِسۡلَٰمَ دِینࣰاۚ﴾ [المائدة: ٣]، فَقَالَ عُمَرُ: إِنِّي لَأَعْلَمُ الْيَوْمَ الَّذِي نَزَلَتْ فِيهِ، وَالْمَكَانَ الَّذِي نَزَلَتْ فِيهِ، نَزَلَتْ عَلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ بِعَرَفَاتٍ فِي يَوْمِ جُمُعَةٍ» <البخاري (٤٣٨٨)، مسلم (٣٠١٧) واللفظ له>.

وَفِي تَحْلِيلِ هَذِهِ المَنْقَبَةِ العَظِيمَةِ يَقُولُ الحَافِظُ ابْنُ حَجَرٍ العَسْقَلَانِيُّ فِي فَتْحِ البَارِي (١ /١٠٥): “فَإِنْ قِيلَ: كَيْفَ طَابَقَ الْجَوَابُ السُّؤَالَ لِأَنَّهُ قَالَ: لَاتَّخَذْنَاهُ عِيدًا، وَأَجَابَ عُمَرُ بِمَعْرِفَةِ الْوَقْتِ وَالْمَكَانِ، وَلَمْ يَقُلْ جَعَلْنَاهُ عِيدًا؟ وَالْجَوَابُ عَنْ هَذَا: أَنَّهَا نَزَلَتْ فِي أُخْرَيَاتِ نَهَارِ عَرَفَةَ، وَيَوْمُ الْعِيدِ إِنَّمَا يَتَحَقَّقُ بِأَوَّلِهِ… وَعِنْدِي أَنَّ هَذِهِ الرِّوَايَةَ اكْتَفَى فِيهَا بِالْإِشَارَةِ، وَإِلَّا فَرِوَايَةُ إِسْحَاقَ عَنْ قَبِيصَةَ الَّتِي قَدَّمْنَاهَا قَدْ نَصَّتْ عَلَى الْمُرَادِ وَلَفْظُهُ: نَزَلَتْ يَوْمَ جُمُعَةٍ يَوْمَ عَرَفَةَ، وَكِلَاهُمَا بِحَمْدِ اللَّهِ لَنَا عِيدٌ”.

وَيُعَلِّقُ ابْنُ هُبَيْرَةَ فِي كِتَابِهِ “الإِفْصَاحُ عَنْ مَعْنِي الايضاح” (١ /١٤٦-١٤٧) عَلَىٰ دَلَالَاتِ الآيَةِ قَائِلًا: “وَفِي هَذَا الحَدِيثِ مِنَ الفِقْهِ التَّنْبِيهُ عَلَىٰ مَا أَنْعَمَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ فِي هَذِهِ الآيَةِ… وَفِيهِ أَيْضًا أَنَّ قَوْلَ اللَّهِ تَعَالَىٰ: ﴿ٱلۡیَوۡمَ أَكۡمَلۡتُ لَكُمۡ دِینَكُمۡ﴾ دَلِيلٌ عَلَىٰ أَنَّ الدِّينَ أَكْمَلَهُ اللَّهُ فِي زَمَانِ مُحَمَّدٍ ﷺ، فَهُوَ غَيْرُ مُحْتَاجٍ إِلَىٰ أَنْ يُتِمَّ أَوْ يُحْدِثَ فِيهِ شَيْءٌ لَمْ يَكُنْ… وَقَوْلُهُ: ﴿وَأَتۡمَمۡتُ عَلَیۡكُمۡ نِعۡمَتِی﴾، وَهَذَا يَسْتَدِلُّ مِنْهُ أَنَّ إِتْمَامَ النِّعْمَةِ إِنَّمَا تَسْتَتِبُّ بِدُخُولِ الجَنَّةِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَقُلِ: اليَوْمَ أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ، فَيَكُونُ تَوَقُّعٌ لِتَمَامٍ فِيمَا بَعْدُ؛ وَلَكِنَّ إِنَّمَا قَالَ: (أَتْمَمْتُ)، فَدَلَّ بِهَذَا القَوْلِ عَلَىٰ أَنَّهُ قَدْ كَانَتْ نِعْمَةٌ مَوْجُودَةٌ فَأَتَمَّهَا التَّمَامَ الَّذِي لَا يَحْتَمِلُ أَنْ يُزَادَ فَوْقَهُ شَيْءٌ آخَرُ، وَهَذَا لَا يَتِمُّ إِلَّا بِدُخُولِ الجَنَّةِ، فَإِنَّهَا لَبُشْرَىٰ عَظِيمَةٌ”.

فَهَا هُوَ ذَا اليَوْمُ يَحْمِلُ لَنَا شَهَادَةَ الكَمَالِ، وَبِشَارَةَ التَّمَامِ، فَهُوَ عِيدٌ لِلْمُسْلِمِينَ بِحَقٍّ، لَيْسَ عِيدًا لِلَّهْوِ، وَلَكِنَّهُ عِيدُ الفَرَحِ بِالدِّينِ الكَامِلِ، وَالنِّعْمَةِ التَّامَّةِ.

⚫ العُنْصُرُ الرَّابِعُ: مُبَاهَاةُ اللَّهِ بِأَهْلِ المَوْقِفِ – مَشْهَدُ العِزَّةِ وَالتَّوَاضُعِ

انْظُرُوا رَحِمَكُمُ اللَّهُ إِلَىٰ هَذَا المَشْهَدِ المَهِيبِ الَّذِي تَتَجَلَّىٰ فِيهِ عَظَمَةُ الخَالِقِ وَذِلَّةُ المَخْلُوقِ، فَيَوْمُ عَرَفَةَ لَيْسَ مِثْلَهُ يَوْمٌ فِي إِظْهَارِ الفَقْرِ البَشَرِيِّ لِغِنَى اللَّهِ المُطْلَقِ. حِينَ يَقِفُ المَلَايِينُ عَلَىٰ صَعِيدٍ وَاحِدٍ، قَدْ خَلَعُوا زِينَةَ الدُّنْيَا، وَلَبِسُوا ثِيَابَ الإِحْرَامِ البَيْضَاءَ، شُعْثًا غُبْرًا، يَجْمَعُهُمْ رَجَاءُ رَحْمَةِ اللَّهِ. فِي هَذَا المَوْقِفِ، يَتَجَلَّىٰ اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَىٰ عَلَىٰ مَلَائِكَتِهِ مُبَاهِيًا بِعِبَادِهِ، مُفَاخِرًا بِفَقْرِهِمُ الَّذِي هُوَ عَيْنُ الغِنَىٰ، كَمَا جَاءَ فِي الحَدِيثِ عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يَقُولُ: «إنَّ اللهَ عزَّ وجلَّ يُباهِي مَلائِكَتَهُ عَشِيَّةَ عَرَفَةَ بأَهْلِ عَرَفَةَ، فَيَقُولُ: انْظُرُوا إلى عِبَادِي، أَتَوْنِي شُعْثًا غُبْرًا» <أحمد (٧٠٨٩)>.

وَفِي رِوَايَةٍ أُخْرَىٰ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «إِنَّ اللهَ تَعَالَى يُبَاهِي بِأَهْلِ عَرَفَاتٍ أَهْلَ السَّمَاءِ، فَيَقُولُ لَهُمُ: انْظُرُوا إِلَى عِبَادِي جَاءُونِي شُعْثًا غُبْرًا» – وَفِي رِوَايَةِ أَبِي نُوحٍ – فَيَقُولُ لَهُمْ: «انْظُرُوا إِلَى عِبَادِي هَؤُلَاءِ» <السنن الكبرى للبيهقي(٩١٠٩)>.

وَفِي حَدِيثِ جَابِرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ تَجَلٍّ أَعْظَمُ، حَيْثُ يَقُولُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «إِذَا كَانَ يَوْمُ عَرَفَةَ فَإِنَّ اللَّهَ تبارك وتعالى يُبَاهِي بِهِمُ الْمَلَائِكَةَ، فَيَقُولُ: انْظُرُوا إِلَى عِبَادِي أَتَوْنِي شُعْثًا غُبْرًا ضَاجِّينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ أُشْهِدُكُمْ أَنِّي قَدْ غَفَرْتُ لَهُمْ، فَتَقُولُ الْمَلَائِكَةُ: إِنَّ فِيهِمْ فُلَانًا مُرَاهِقًا وَفُلَانًا»، قَالَ: «يَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى: قَدْ غَفَرْتُ لَهُمْ» قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «فَمَا مِنْ يَوْمٍ أَكْثَرُ عَتِيقًا مِنَ النَّارِ مِنْ يَوْمِ عَرَفَةَ» <فضائل الأوقات للبيهقي (١٨١)>.

لِنَتَفَكَّرْ فِي شَرْحِ هَذَا المَقَامِ السَّامِي كَمَا يَقُولُ الإِمَامُ المُنَاوِيُّ فِي “فَيْضِ القَدِيرِ” (٢ /٢٧٩): “(إِنَّ اللهَ تَعَالَى يُبَاهِي مَلائِكَتَهُ عَشِيَّةَ عَرَفَةَ بأَهْلِ عَرَفَةَ) أَيْ: الوَاقِفِينَ بِهَا ثُمَّ بَيَّنَ تِلْكَ المُبَاهَاةَ بِقَوْلِهِ: (يَقُولُ: انْظُرُوا إِلَى عِبَادِي) أَيْ: تَأَمَّلُوا حَالَهُمْ وَهَيْئَتَهُمْ (أَتَوْنِي) أَيْ جَاءُوا إِلَىٰ بَيْتِي إِعْظَامًا لِي وَتَقَرُّبًا لِمَا يُقَرِّبُهُمْ مِنِّي (شُعْثًا) أَيْ: مُتَغَيِّرِي الأَبْدَانِ وَالشُّعُورِ وَالمَلَابِسِ؛ لِقِلَّةِ تَعَهُّدِهِمْ بِالادِّهَانِ وَالإِصْلَاحِ، وَالشَّعَثُ: الوَسَخُ فِي بَدَنٍ أَوْ شَعْرٍ (غُبْرًا) أَيْ: مِنْ غَيْرِ اسْتِحْدَادٍ وَلَا تَنَظُّفٍ قَدْ رَكِبَهُمْ غُبَارُ الطَّرِيقِ… وَذَا يَقْتَضِي الغُفْرَانَ وَعُمُومَ التَّكْفِيرِ؛ لِأَنَّهُ لَا يُبَاهِي بِالحَاجِّ إِلَّا وَقَدْ تَطَهَّرَ مِنْ كُلِّ ذَنْبٍ؛ إِذْ لَا تُبَاهِي المَلَائِكَةُ وَهُمْ مُطَهَّرُونَ إِلَّا بِمُطَهَّرٍ”.

فَتَأَمَّلُوا كَيْفَ تَلَاشَتِ الفَوَارِقُ الدُّنْيَوِيَّةُ، فَلَا نَسَبَ هُنَاكَ إِلَّا لِلتَّقْوَىٰ، وَلَا لِبَاسَ إِلَّا الإِحْرَامُ، وَلَا شِعَارَ إِلَّا التَّلْبِيَةُ. وَصَدَقَ اللَّهُ: (إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ ۚ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ) [الحجرات: 13].

إِنَّهَا صُورَةٌ مُصَغَّرَةٌ لِيَوْمِ القِيَامَةِ، حَيْثُ يَخْرُجُ النَّاسُ مِنْ أَجْدَاثِهِمْ (شُعْثًا غُبْرًا)، لِيُجَازُوا بِأَعْمَالِهِمْ، لَكِنَّ الفَارِقَ هُنَا أَنَّ الرَّحْمَةَ ظَاهِرَةٌ، وَالعِتْقَ مُبَشَّرٌ بِهِ.

⚫ العُنْصُرُ الخَامِسُ: تَكْفِيرُ الذُّنُوبِ – بَابُ المَغْفِرَةِ المَفْتُوحُ

إِنَّ مِنْ أَعْظَمِ نِعَمِ اللَّهِ عَلَىٰ عِبَادِهِ فِي هَذَا اليَوْمِ أَنَّهُ جَعَلَهُ سَبَبًا لِمَحْوِ الذُّنُوبِ، سَوَاءٌ لِمَنْ وَقَفَ بِعَرَفَةَ حَاجًّا، أَوْ لِمَنْ قَعَدَ فِي بِلَادِهِ صَائِمًا ذَاكِرًا. فَهُوَ مَوْسِمٌ لِتَصْفِيرِ السَّيِّئَاتِ، وَتَطْهِيرِ الصَّحَائِفِ.

● تَكْفِيرُ الذُّنُوبِ لِلحَاجِّ: دَعُونَا نَتَأَمَّلْ هَذَا الحَدِيثَ الجَلِيلَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ: «جَاءَ رَجُلٌ مِنَ الأَنْصَارِ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، كَلِمَاتٌ أَسْأَلُ عَنْهُنَّ، … فَإِذَا وَقَفَ بِعَرَفَةَ، فَإِنَّ اللهَ عَزَّ وَجَلَّ يَنْزِلُ إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا، فَيَقُولُ: انْظُرُوا إِلَى عِبَادِي شُعْثًا غُبْرًا، اشْهَدُوا أَنِّي قَدْ غَفَرْتُ لَهُمْ ذُنُوبَهُمْ، وَإِنْ كَانَتْ عَدَدَ قَطْرِ السَّمَاءِ وَرَمْلِ عَالِجٍ..» <صحيح ابن حبان التقاسيم والأنواع (٤٠٩٨)>. يَا لَهُ مِنْ فَضْلٍ عَمِيمٍ، يَغْفِرُ اللَّهُ ذُنُوبَ الحُجَّاجِ وَإِنْ بَلَغَتْ مِنَ الكَثْرَةِ مَبْلَغَ الذَّرِّ وَالنُّجُومِ.

● تَكْفِيرُ الذُّنُوبِ لِغَيْرِ الحَاجِّ (صِيَامُ يَوْمِ عَرَفَةَ): أَمَّا مَنْ لَمْ يَتَيَسَّرْ لَهُ الحَجُّ، فَقَدْ فَتَحَ اللَّهُ لَهُ بَابًا مِنْ أَبْوَابِ الرَّحْمَةِ بِصِيَامِ هَذَا اليَوْمِ، حَيْثُ سُئِلَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «عَنْ صَوْمِ يَوْمِ عَرَفَةَ؟ فَقَالَ «يُكَفِّرُ السَّنَةَ الْمَاضِيَةَ وَالْبَاقِيَةَ» <مسلم (١١٦٢)>. وَفِي رِوَايَةِ التِّرْمِذِيِّ عَنْ أَبِي قَتَادَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «صِيَامُ يَوْمِ عَرَفَةَ، إِنِّي أَحْتَسِبُ عَلَى اللَّهِ أَنْ يُكَفِّرَ السَّنَةَ الَّتِي قَبْلَهُ، وَالَّتِي بَعْدَهُ» <الترمذي (٧٤٩)، ابن ماجه (١٧٣٠)>.

وَيُعَلِّقُ أَبُو العَبَّاسِ القُرْطَبِيُّ فِي كِتَابِهِ “المُفْهِمُ لِمَا أُشْكِلَ مِنْ تَلْخِيصِ كِتَابِ مُسْلِمٍ” (٣ /١٨٨-١٨٩) بِقَوْلِهِ: “وَقَوْلُهُ فِي صِيَامِ يَوْمِ عَرَفَةَ: (يُكَفِّرَ السَّنَةَ الَّتِي قَبْلَهُ)؛ يَعْنِي السَّنَةَ الَّتِي هُوَ فِيهَا؛ لِأَنَّهُ فِي أَوَاخِرِ السَّنَةِ، وَالَّتِي بَعْدَهَا: يَعْنِي الَّتِي تَأْتِي مُتَّصِلَةً بِشَهْرِ يَوْمِ عَرَفَةَ”.

فَمَا أَعْظَمَ هَذَا الكَرَمَ! صِيَامُ يَوْمٍ وَاحِدٍ يَجْعَلُ العَبْدَ فِي أَمَانٍ مِنْ تَبِعَاتِ عَامَيْنِ كَامِلَيْنِ، إِنَّهُ لَغَنِيمَةٌ بَارِدَةٌ، وَرَحْمَةٌ وَاسِعَةٌ. يَنْبَغِي لِلْمُؤْمِنِ أَنْ يَغْتَنِمَ هَذَا الكَنْزَ، وَيَصُومَهُ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا، لِيَخْرُجَ مِنْهُ طَاهِرًا نَقِيًّا كَيَوْمَ وَلَدَتْهُ أُمُّهُ.

⚫ العُنْصُرُ السَّادِسُ: يَوْمُ العِتْقِ الأَكْبَرِ مِنَ النَّارِ – جَائِزَةُ السَّلَامَةِ

إِذَا كَانَ صِيَامُ عَرَفَةَ يُكَفِّرُ ذُنُوبَ سَنَتَيْنِ، فَإِنَّ الوُقُوفَ بِعَرَفَةَ وَالدُّعَاءَ وَالذِّكْرَ فِيهِ سَبَبٌ لِلنَّجَاةِ مِنْ أَعْظَمِ خَطَرٍ يُوَاجِهُ الإِنْسَانَ، أَلَا وَهُوَ عَذَابُ النَّارِ. إِنَّهُ يَوْمُ “الجَائِزَةِ الكُبْرَىٰ”، حَيْثُ تَتَسَابَقُ القُلُوبُ نَحْوَ النَّجَاةِ، وَيَمُنُّ اللَّهُ عَلَىٰ عِبَادِهِ بِالعِتْقِ مِنَ النِّيرَانِ. صَحَّ عَنْ أُمِّ المُؤْمِنِينَ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: «مَا مِنْ يَوْمٍ أَكْثَرَ مِنْ أَنْ يُعْتِقَ اللهُ فِيهِ عَبْدًا مِنَ النَّارِ مِنْ يَوْمِ عَرَفَةَ، وَإِنَّهُ لَيَدْنُو، ثُمَّ يُبَاهِي بِهِمُ الْمَلَائِكَةَ، فَيَقُولُ: مَا أَرَادَ هَؤُلَاءِ؟» <مسلم (١٣٤٨)>.

“وَقَوْلُهُ: «مَا مِنْ يَوْمٍ أَكْثَرَ مِنْ أَنْ يُعْتِقَ اللهُ فِيهِ عَبْدًا مِنَ النَّارِ مِنْ يَوْمِ عَرَفَةَ»، رُوِّينَا ‘أَكْثَرَ’ رَفْعًا وَنَصْبًا… وَتَقْدِيرُ الكَلَامِ: مَا يَوْمٌ أَكْثَرُ مِنْ يَوْمِ عَرَفَةَ عَتِيقًا مِنَ النَّارِ. وَقَوْلُهُ وَإِنَّهُ لَيَدْنُو، هَذَا الضَّمِيرُ عَائِدٌ إِلَىٰ اللَّهِ تَعَالَىٰ، وَالدُّنُوُّ دُنُوُّ إِفْضَالٍ وَإِكْرَامٍ لَا دُنُوُّ انْتِقَالٍ وَمَكَانٍ؛ إِذْ يَتَعَالَىٰ عَنْهُ وَيَتَقَدَّسُ”.< المُفْهِمِ: أَبُو العَبَّاسِ القُرْطَبِيُّ (٣ /٤٦٠)>

وَلِلْمُلَّا عَلِيِّ القَارِي فِي “مِرْقَاةِ المَفَاتِيحِ” (٥ /١٨٠٠) تَأَمُّلَاتٌ رَائِعَةٌ فِي مَعْنَىٰ المُبَاهَاةِ: “فَتَقْدِيرُهُ: مَا مِنْ يَوْمٍ أَكْثَرَ إِعْتَاقًا فِيهِ اللَّهُ عَبْدًا مِنَ النَّارِ مِنْ يَوْمِ عَرَفَةَ، (وَإِنَّهُ) أَيْ: سُبْحَانَهُ (لَيَدْنُو) أَيْ: يَقْرُبُ مِنْهُمْ بِفَضْلِهِ وَرَحْمَتِهِ (ثُمَّ يُبَاهِي بِهِمْ) أَيْ: بِالحُجَّاجِ (المَلَائِكَةَ): قَالَ بَعْضُهُمْ: أَيْ يُظْهِرُ عَلَىٰ المَلَائِكَةِ فَضْلَ الحُجَّاجِ، وَشَرَفَهُمْ… (فَيَقُولُ: مَا أَرَادَ هَؤُلَاءِ) أَيْ: أَيُّ شَيْءٍ أَرَادَ هَؤُلَاءِ حَيْثُ تَرَكُوا أَهْلَهُمْ، وَأَوْطَانَهُمْ، وَصَرَفُوا أَمْوَالَهُمْ، وَأَتْعَبُوا أَبْدَانَهُمْ، أَيْ: مَا أَرَادُوا إِلَّا المَغْفِرَةَ، وَالرِّضَا، وَالقُرْبَ، وَاللِّقَاءَ، وَمَنْ جَاءَ هَذَا البَابَ لَا يَخْشَىٰ الرَّدَّ…”.

وَفِي حَدِيثٍ آخَرَ عَنْ جَابِرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ تَوْضِيحٌ لِهَذَا المَشْهَدِ المُهِيبِ: «إِذَا كَانَ يَوْمُ عَرَفَةَ إِنَّ اللَّهَ يَنْزِلُ إِلَى السَّمَاءِ فَيُبَاهِي بِهِمُ الْمَلَائِكَةَ، فَيَقُولُ: انْظُرُوا إِلَى عِبَادِي أَتَوْنِي شُعْثًا غُبْرًا ضَاحِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ أُشْهِدُكُمْ أَنِّي قَدْ غَفَرْتُ لَهُمْ” فَتَقُولُ لَهُ الْمَلَائِكَةُ: أَيْ رَبِّ، فِيهِمْ فُلَانٌ يَزْهُو وَفُلَانٌ وَفُلَانٌ قَالَ: يَقُولُ اللَّهُ: «قَدْ غَفَرْتُ لَهُمْ» قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «فَمَا مِنْ يَوْمٍ أَكْثَرُ عَتِيقًا مِنَ النَّارِ مِنْ يَوْمِ عَرَفَةَ» <صحيح ابن خزيمة (٢٨٤٠)>.

وقَوْلُهُ: «إِنَّ اللَّهَ يَنْزِلُ إِلَىٰ السَّمَاءِ الدُّنْيَا»، فَبَعْضُ أَهْلِ السُّنَّةِ لَا يُفَسِّرُ هَذَا الكَلَامَ وَيَقُولُ: لَا نَعْلَمُ مَعْنَاهُ، وَبَعْضُهُمْ يُفَسِّرُ: بِأَنَّهُ يُنْزِلُ رَحْمَتَهُ، وَيُقَرِّبُ فَضْلَهُ وَغُفْرَانَهُ إِلَىٰ الحُجَّاجِ. وقَوْلُهُ: «أَتَوْنِي شُعْثًا غُبْرًا ضَاجِّينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ»، (الشُّعْثُ): جَمْعُ أَشْعَثَ، وَهُوَ مُتَفَرِّقُ شَعْرِ الرَّأْسِ مِنْ عَدَمِ غَسْلِ الرَّأْسِ، كَمَا هُوَ عَادَةُ المُحْرِمِينَ. (

الغُبْرُ): جَمْعُ أَغْبَرَ، وَهُوَ الَّذِي الْتَصَقَ الغُبَارُ بِأَعْضَائِهِ، كَمَا هُوَ عَادَةُ المُسَافِرِينَ.

(الضَّاجِّينَ): جَمْعُ ضَاجٍّ… وَالمُرَادُ هَا هُنَا: رَفْعُ الصَّوْتِ بِالتَّلْبِيَةِ،

(مِنْ كُلِّ فَجٍّ): أَيْ: مِنْ كُلِّ طَرِيقٍ

(عَمِيقٍ): أَيْ: بَعِيدٍ… تَقُولُ المَلَائِكَةُ: يَا رَبِّ! فُلَانٌ وَفُلَانَةٌ يَفْعَلَانِ المَعَاصِيَ، وَلَيْسَا بِأَهْلٍ أَنْ تَغْفِرَ لَهُمَا، فَقَالَ اللَّهُ: قَدْ غَفَرْتُ لَهُمَا؛ فَإِنَّ الحَجَّ يَهْدِمُ مَا كَانَ قَبْلَهُ مِنَ الذُّنُوبِ”.

<المَفَاتِيحِ فِي شَرْحِ المَصَابِيحِ” : مُظْهِرُ الدِّينِ الزَّيْدَانِيُّ(٣ /٣٠٣-٣٠٤) >

وَفِي رِوَايَةٍ جَامِعَةٍ عَنْ جَابِرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «مَا مِنْ أَيَّامٍ أَفْضَلُ عِنْدَ اللَّهِ مِنْ أَيَّامِ عَشْرِ ذِي الْحِجَّةِ» قَالَ: فَقَالَ رَجُلٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، هِيَ أَفْضَلُ أَمْ عِدَّتُهُنَّ جِهَادًا فِي سَبِيلِ اللَّهِ؟ فَقَالَ: «هِيَ أَفْضَلُ مِنْ عِدَّتِهِنَّ جِهَادًا فِي سَبِيلِ اللَّهِ، إِلَّا عَفِيرًا يُعَفِّرُ وَجْهَهُ فِي التُّرَابِ، وَمَا مِنْ يَوْمٍ أَفْضَلُ عِنْدَ اللَّهِ مِنْ يَوْمِ عَرَفَةَ، يَنْزِلُ اللَّهُ إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا فَيُبَاهِي بِأَهْلِ الْأَرْضِ أَهْلَ السَّمَاءِ، فَيَقُولُ: انْظُرُوا إِلَى عِبَادِي شُعْثًا غُبْرًا ضَاحِينَ جَاءُوا مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ لَمْ يَرَوْا رَحْمَتِي، وَلَمْ يَرَوْا عَذَابِي، فَلَمْ أَرَ يَوْمًا أَكْثَرَ عَتِيقًا مِنَ النَّارِ مِنْ يَوْمِ عَرَفَةَ» <مسند أبي يعلى (٢٠٩٠)>.

إِنَّ هَذَا اليَوْمَ لَيَحْمِلُ فِي طَيَّاتِهِ أَمَلَ كُلِّ مُذْنِبٍ، وَبُشْرَىٰ كُلِّ تَائِبٍ، وَفُرْصَةَ كُلِّ مُقَصِّرٍ. هَلْ يَلِيقُ بِنَا أَنْ تَمُرَّ هَذِهِ السَّاعَاتُ دُونَ أَنْ نَكُونََ فِيهَا مِنَ العُتَقَاءِ؟

⚫: إِذَا كَانَ هَذَا بَعْضَ فَضَائِلِ اليَوْمِ، فَكَيْفَ السَّبِيلُ لِنَيْلِ غَنَائِمِهِ؟ لَقَدْ جَاءَ الهُدَىٰ النَّبَوِيُّ لِيَرْسُمَ لَنَا مَعَالِمَ الطَّرِيقِ فِي هَذَا اليَوْمِ المَجِيدِ، مُوَجِّهًا إِيَّانَا نَحْوَ أَفْضَلِ الأَعْمَالِ وَأَزْكَىٰ الأَقْوَالِ.

⚫ العُنْصُرُ السَّابِعُ: خَيْرُ الدُّعَاءِ وَأَفْضَلُ الذِّكْرِ

لَقَدْ دَلَّنَا النَّبِيُّ ﷺ عَلَىٰ مِفْتَاحِ الكُنُوزِ فِي هَذَا اليَوْمِ، حَيْثُ أَخْبَرَنَا أَنَّ لِلدُّعَاءِ فِيهِ شَأْنًا لَا يُدَانِيهِ شَأْنٌ فِي سَائِرِ الأَيَّامِ، كَمَا أَخْبَرَنَا عَنْ عُمْدَةِ الأَذْكَارِ وَسَيِّدِهَا. عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «خَيْرُ الدُّعَاءِ دُعَاءُ يَوْمِ عَرَفَةَ، وَخَيْرُ مَا قُلْتُ أَنَا وَالنَّبِيُّونَ مِنْ قَبْلِي: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، لَهُ المُلْكُ وَلَهُ الحَمْدُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ» <الترمذي(٣٥٨٥)>.

يَقُولُ الإِمَامُ السُّيُوطِيُّ فِي “قُوتِ المُغْتَذِي عَلَىٰ جَامِعِ التِّرْمِذِيِّ” (٢ /٩٦٨): “قَوْلُهُ: «خَيْرُ الدُّعَاءِ، دُعَاءُ يَوْمِ عَرَفَةَ»، قَالَ الطِّيبِيُّ: الإِضَافَةُ فِيهِ أَنْ يَكُونَ بِمَعْنَىٰ اللَّامِ أَيْ: دُعَاءٌ خُصَّ بِذَلِكَ اليَوْمِ، وَقَوْلُهُ: «وَخَيْرُ مَا قُلْتَ» بِمَعْنَىٰ خَيْرِ مَا دَعَوْتَ، بَيَانٌ لَهُ… وَقَدْ قِيلَ لِسُفْيَانَ هَذَا الثَّنَاءُ، فَأَيْنَ الدُّعَاءُ؟ فَأَنْشَدَ قَوْلَ أُمَيَّةَ بْنِ أَبِي الصَّلْتِ:

إِذَا أَثْنَىٰ عَلَيْكَ المَرْءُ يَوْمًا *** كَفَاهُ مِنْ تَعَرُّضِهِ الثَّنَاءُ

وَيَزِيدُ ابْنُ عَبْدِ البَرِّ الأَمْرَ إِيضَاحًا فِي كِتَابِهِ “التَّمْهِيدُ” (٤ /٤٠) حَيْثُ يَقُولُ: “وَفِيهِ مِنَ الفِقْهِ: أَنَّ دُعَاءَ يَوْمِ عَرَفَةَ أَفْضَلُ مِنْ غَيْرِهِ، وَفِي ذَلِكَ دَلِيلٌ عَلَىٰ فَضْلِ يَوْمِ عَرَفَةَ عَلَىٰ غَيْرِهِ، وَفِي فَضْلِ يَوْمِ عَرَفَةَ دَلِيلٌ أَنَّ لِلْأَيَّامِ بَعْضِهَا فَضْلًا عَلَىٰ بَعْضٍ، إِلَّا أَنَّ ذَلِكَ لَا يُدْرَكُ إِلَّا بِالتَّوْقِيفِ. وَفِي الحَدِيثِ أَيْضًا دَلِيلٌ عَلَىٰ أَنَّ دُعَاءَ يَوْمِ عَرَفَةَ مُجَابٌ كُلُّهُ فِي الأَغْلَبِ، وَفِيهِ أَيْضًا أَنَّ أَفْضَلَ الذِّكْرِ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ. وَقَدِ اخْتَلَفَ العُلَمَاءُ فِي أَفْضَلِ الذِّكْرِ…”.

فَهَا هُوَ ذَا الدُّعَاءُ فِي يَوْمِ عَرَفَةَ، مُسْتَجَابٌ بِإِذْنِ اللَّهِ، وَأَفْضَلُهُ عَلَىٰ الإِطْلَاقِ، وَأَفْضَلُ مَا نَلْهَجُ بِهِ فِيهِ هُوَ التَّوْحِيدُ الخَالِصُ، وَالتَّذَلُّلُ الصَّادِقُ. فَهَلْ نَجْعَلُ مِنْ هَذَا اليَوْمِ مَوْسِمًا لِلدُّعَاءِ بِخَيْرَيِ الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ؟

⚫ العُنْصُرُ الثَّامِنُ: أَعْمَالُ يَوْمِ عَرَفَةَ – بَرْنَامَجُ العَابِدِينَ وَمِنْهَاجُ الذَّاكِرِينَ

بَعْدَ أَنْ عَرَفْنَا فَضْلَ اليَوْمِ، يَنْبَغِي أَنْ نَعْرِفَ كَيْفَ نَسْتَثْمِرُ سَاعَاتِهِ. إِنَّ يَوْمَ عَرَفَةَ دَعْوَةٌ مَفْتُوحَةٌ لِكُلِّ مُسْلِمٍ لِيَرْفَعَ رَصِيدَهُ الإِيمَانِيَّ. وَقَدْ نَظَّمَ لَنَا العُلَمَاءُ جُمْلَةً مِنَ الأَعْمَالِ المُسْتَحَبَّةِ:

● الصِّيَامُ لِغَيْرِ الحَاجِّ: وَهُوَ عِبَادَةٌ عَظِيمَةٌ، وَقَدْ مَرَّ مَعَنَا أَنَّهُ يُكَفِّرُ سَنَتَيْنِ، وَقَدْ ثَبَتَ عَنْ بَعْضِ أَزْوَاجِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهَا قَالَتْ: «كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَصُومُ تِسْعَ ذِي الحِجَّةِ». فَالصَّائِمُ فِي هَذَا اليَوْمِ حَقِيقٌ بِأَنْ يَنَالَ هَذَا الوَعْدَ النَّبَوِيَّ.

● الإِكْثَارُ مِنَ الدُّعَاءِ: اِجْعَلْ لَكَ أَوْقَاتًا مُخْتَارَةً، فِي آخِرِ اليَوْمِ وَعِنْدَ الفِطَارِ، تَرْفَعُ فِيهَا يَدَيْكَ إِلَىٰ اللَّهِ، وَتَسْأَلُهُ العِتْقَ مِنَ النَّارِ، وَتُلِحُّ فِي الدُّعَاءِ لِنَفْسِكَ وَأَهْلِكَ وَالمُسْلِمِينَ. قَالَ تَعَالَىٰ: (وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ) [غافر: 60].

● الإِكْثَارُ مِنَ التَّهْلِيلِ وَالتَّكْبِيرِ: إِنَّ التَّكْبِيرَ فِي هَذِهِ الأَيَّامِ شِعَارُ المُوَحِّدِينَ. وَهُوَ نَوْعَانِ:

• التَّكْبِيرُ المُطْلَقُ: وَهُوَ فِي عُمُومِ الأَوْقَاتِ، يَبْدَأُ مِنْ دُخُولِ شَهْرِ ذِي الحِجَّةِ إِلَىٰ آخِرِ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ. قَالَ تَعَالَىٰ: (لِّيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَّعْلُومَاتٍ) [الحج: 28]. قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: “الأَيَّامُ المَعْلُومَاتُ عَشْرُ ذِي الحِجَّةِ”.

• التَّكْبِيرُ المُقَيَّدُ: وَهُوَ الَّذِي يَكُونُ دُبُرَ الصَّلَوَاتِ المَفْرُوضَةِ، وَيَبْدَأُ مِنْ فَجْرِ يَوْمِ عَرَفَةَ إِلَىٰ عَصْرِ آخِرِ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ. وَقَدْ قَالَ ابْنُ حَجَرٍ رَحِمَهُ اللَّهُ: “وَلَمْ يَثْبُتْ فِي شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ حَدِيثٌ، وَأَصَحُّ مَا وَرَدَ عَنِ الصَّحَابَةِ قَوْلُ عَلِيٍّ وَابْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا أَنَّهُ مِنْ صُبْحِ يَوْمِ عَرَفَةَ إِلَىٰ آخِرِ أَيَّامِ مِنًى”. وَكَمَا كَانَ ابْنُ عُمَرَ وَأَبُو هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا يَخْرُجَانِ إِلَىٰ السُّوقِ يُكَبِّرَانِ، وَيُكَبِّرُ النَّاسُ بِتَكْبِيرِهِمَا.

● وخُلَاصَةُ البَرْنَامَجِ الإِيمَانِيِّ: لِنَجْعَلْ هَذَا اليَوْمَ مِحْرَابًا لِلْعِبَادَةِ. نَبْدَؤُهُ بِصَلَاةِ الفَجْرِ فِي جَمَاعَةٍ، ثُمَّ جَلْسَةِ الإِشْرَاقِ، وَنُتْبِعُهَا بِصَلَاةِ الضُّحَىٰ، وَنَظَلُّ طِوَالَ اليَوْمِ نَتَنَقَّلُ فِي رِيَاضِ الطَّاعَاتِ: قِرَاءَةُ القُرْآنِ، خَاصَّةً قَوْلَهُ تَعَالَىٰ: (اللَّهُ لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ) [آل عمران: 2]، وَالإِكْثَارُ مِنَ التَّسْبِيحِ وَالتَّحْمِيدِ وَالتَّهْلِيلِ وَالتَّكْبِيرِ، وَالتَّضَرُّعُ بِالدُّعَاءِ فِي خُفْيَةٍ، وَصِلَةُ الأَرْحَامِ، وَالصَّدَقَةُ عَلَىٰ المَحَاوِيجِ، لِنَكُونَ مِمَّنْ قَالَ اللَّهُ فِيهِمْ: (إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَالْقَانِتِينَ وَالْقَانِتَاتِ وَالصَّادِقِينَ وَالصَّادِقَاتِ وَالصَّابِرِينَ وَالصَّابِرَاتِ وَالْخَاشِعِينَ وَالْخَاشِعَاتِ وَالْمُتَصَدِّقِينَ وَالْمُتَصَدِّقَاتِ وَالصَّائِمِينَ وَالصَّائِمَاتِ وَالْحَافِظِينَ فُرُوجَهُمْ وَالْحَافِظَاتِ وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًا وَالذَّاكِرَاتِ أَعَدَّ اللَّهُ لَهُم مَّغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا) [الأحزاب: 35].

⚫ الخَاتِمَةٌ

التَّوْبَة وَالعَوْدَة إِلَىٰ اللَّهِ

إِنَّ يَوْمَ عَرَفَةَ لَيْسَ مُجَرَّدَ عِبَادَةٍ مَوْسِمِيَّةٍ، بَلْ هُوَ مَدْرَسَةٌ لِلتَّوْبَةِ النَّصُوحِ. إِنَّهُ تَذْكِرَةٌ سَنَوِيَّةٌ بِأَنَّ الذُّنُوبَ وَإِنْ عَظُمَتْ فَإِنَّ رَحْمَةَ اللَّهِ أَعْظَمُ. لِنَقْرَعْ بَابَ السَّمَاءِ بِصِدْقٍ فِي هَذَا اليَوْمِ، وَلْنُجَدِّدِ العَهْدَ مَعَ اللَّهِ عَلَىٰ التَّوْحِيدِ وَالإِخْلَاصِ.

رُوِيَ أَنَّ الفُضَيْلَ بْنَ عِيَاضٍ نَظَرَ إِلَىٰ تَسْبِيحِ النَّاسِ وَبُكَائِهِمْ عَشِيَّةَ عَرَفَةَ، فَقَالَ: “أَرَأَيْتُمْ لَوْ أَنَّ هَؤُلَاءِ صَارُوا إِلَىٰ رَجُلٍ فَسَأَلُوهُ دَانِقًا -وَهُوَ مَبْلَغٌ ضَئِيلٌ مِنَ المَالِ- فَهَلْ كَانَ يَرُدُّهُمْ؟” قَالُوا: لَا. فَقَالَ: “وَاللَّهِ لَلْمَغْفِرَةُ عِنْدَ اللَّهِ أَهْوَنُ مِنْ إِجَابَةِ رَجُلٍ لَهُمْ بِدَانِقٍ!”.

فَلْنَصْدُقِ اللَّجَأَ إِلَىٰ اللَّهِ، وَلْنَقُلْ بِقَلْبٍ خَاشِعٍ:

وَإِنِّي لَأَدْعُو اللَّهَ أَطْلُبُ عَفْوَهُ *** وَأَعْلَمُ أَنَّ اللَّهَ يَعْفُو وَيَغْفِرُ

لَئِنْ أَعْظَمَ النَّاسُ الذُّنُوبَ فَإِنَّهَا *** وَإِنْ عَظُمَتْ فِي رَحْمَةِ اللَّهِ تَصْغُرُ

فَلَا تَيْأَسُوا مِنْ رَوْحِ اللَّهِ، وَأَكْثِرُوا مِنْ قَوْلِ: “لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، لَهُ المُلْكُ وَلَهُ الحَمْدُ وَهُوَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ”.

وَيَا مَنْ تَطَلَّعُ قُلُوبُكُمْ إِلَىٰ مَوَاسِمِ الرَّحْمَةِ وَمَوَاطِنِ العِتْقِ: هَا هُوَ يَوْمُ عَرَفَةَ قَدْ أَطَلَّ عَلَيْكُمْ بِنُورِهِ، وَأَشْرَقَتْ شَمْسُهُ بِفَيْضِ الجُودِ وَالغُفْرَانِ. إِنَّهُ يَوْمٌ لَا يُشْبِهُهُ يَوْمٌ، وَلَا تُمَاثِلُهُ لَيْلَةٌ، إِنَّهُ تَاجُ الأَيَّامِ، وَمِيثَاقُ الغُفْرَانِ، وَمَيْعَادُ العِتْقِ مِنَ النِّيرَانِ.

فِي هَذَا اليَوْمِ تَفَتَّحَتْ أَبْوَابُ السَّمَاءِ لِتَسْتِقْبِلَ أَصْدَقَ الكَلِمَاتِ، وَأَزْكَىٰ الدَّعَوَاتِ، وَأَطْهَرَ العَبَرَاتِ. فِيهِ أَكْمَلَ اللَّهُ لَكُمُ الدِّينَ، وَأَتَمَّ عَلَيْكُمُ النِّعْمَةَ، وَرَضِيَ لَكُمُ الإِسْلَامَ دِينًا.

فِيهِ يُبَاهِي رَبُّ العِزَّةِ بِعِبَادِهِ مَلَائِكَتَهُ، فَيَقُولُ: انْظُرُوا إِلَىٰ عِبَادِي، جَاءُونِي شُعْثًا غُبْرًا، يَرْجُونَ رَحْمَتِي، وَيَخَافُونَ عَذَابِي.

فَاغْتَنِمُوا -رَحِمَكُمُ اللَّهُ- مَا بَقِيَ مِنْ سَاعَاتِ هَذَا اليَوْمِ الكَرِيمِ، وَاجْعَلُوا أَلْسِنَتَكُمْ رَطْبَةً بِذِكْرِ اللَّهِ وَتَهْلِيلِهِ وَتَكْبِيرِهِ، وَارْفَعُوا أَكُفَّ الضَّرَاعَةِ إِلَىٰ مَنْ لَا يَرُدُّ سَائِلًا، وَلَا يُخَيِّبُ آمِلًا. وَأَكْثِرُوا مِنْ قَوْلِ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، لَهُ المُلْكُ وَلَهُ الحَمْدُ وَهُوَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ؛ فَإِنَّهَا خَيْرُ مَا قَالَهُ النَّبِيُّونَ، وَخَيْرُ مَا تُلْهَجُ بِهِ الأَلْسِنَةُ فِي هَذَا المَقَامِ العَظِيمِ.

وَاعْلَمُوا أَنَّ أَعْظَمَ مَا تَخْرُجُونَ بِهِ مِنْ هَذَا اليَوْمِ هُوَ صِدْقُ الإِنَابَةِ، وَصِحَّةُ التَّوْبَةِ، وَخُلُوُّ القَلْبِ مِنَ الإِصْرَارِ عَلَىٰ المَعَاصِي؛ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يَنْظُرُ إِلَىٰ صُوَرِكُمْ وَلَا إِلَىٰ أَمْوَالِكُمْ، وَلَكِنْ يَنْظُرُ إِلَىٰ قُلُوبِكُمْ وَأَعْمَالِكُمْ. فَطُوبَىٰ لِمَنْ خَرَجَ مِنْ يَوْمِ عَرَفَةَ مَغْفُورًا لَهُ، مَرْحُومًا، عَتِيقًا مِنَ النَّارِ، وَطُوبَىٰ لِمَنْ جَعَلَ هَذَا اليَوْمَ بِدَايَةَ عَهْدٍ جَدِيدٍ مَعَ اللَّهِ، عَهْدٍ قِوَامُهُ الطَّاعَةُ، وَشِعَارُهُ الاسْتِقَامَةُ.

جَعَلَنَا اللَّهُ وَإِيَّاكُمْ مِنْ عُتَقَاءِ هَذَا اليَوْمِ، وَمِنْ أَهْلِ الرَّحْمَةِ وَالغُفْرَانِ، وَأَعَادَهُ عَلَيْنَ

اللَّهُمَّ أَعْتِقْ رِقَابَنَا مِنَ النَّارِ، وَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا، وَتَجَاوَزْ عَنَّا، وَارْزُقْنَا حَجَّ بَيْتِكَ الحَرَامِ وَالوُقُوفَ بِعَرَفَةَ. اللَّهُمَّ انْشُرْ رَحْمَتَكَ عَلَىٰ عِبَادِكَ المُؤْمِنِينَ، وَاجْمَعْ كَلِمَتَهُمْ عَلَىٰ الحَقِّ، وَانْصُرْهُمْ عَلَىٰ أَعْدَائِكَ أَعْدَائِهِمْ.

اللَّهُمَّ أَعِزَّ الإِسْلَامَ وَالمُسْلِمِينَ، وَأَذِلَّ الشِّرْكَ وَالمُشْرِكِينَ، وَدَمِّرْ أَعْدَاءَ الدِّينِ. اللَّهُمَّ آمِنْ رَوْعَاتِنَا، وَاسْتُرْ عَوْرَاتِنَا، وَفَرِّجْ كُرُبَاتِنَا.

اللَّهُمَّ يَا مَنْ أَكْمَلْتَ لَنَا الدِّينَ، وَأَتْمَمْتَ عَلَيْنَا النِّعْمَةَ، وَرَضِيتَ لَنَا الإِسْلَامَ دِينًا، يَا مَنْ جَعَلْتَ يَوْمَ عَرَفَةَ تَاجَ الأَيَّامِ، وَمِيثَاقَ الغُفْرَانِ، وَمَيْعَادَ العِتْقِ مِنَ النِّيرَانِ، نَسْأَلُكَ بِعِزَّتِكَ وَجَلَالِكَ، وَبِأَسْمَائِكَ الحُسْنَىٰ وَصِفَاتِكَ العُلَىٰ، أَنْ تَجْعَلَنَا مِنْ عُتَقَاءِ هَذَا اليَوْمِ العَظِيمِ، وَأَنْ تَكْتُبَنَا فِي سِجِلِّ المَرْحُومِينَ المَغْفُورِ لَهُمْ، وَأَنْ تُبَاهِيَ بِنَا مَلَائِكَتَكَ فِي مَلَإِ السَّمَاءِ، فَتَقُولَ: انْظُرُوا إِلَىٰ عِبَادِي، جَاءُونِي شُعْثًا غُبْرًا، أَشْهَدُكُمْ أَنِّي قَدْ غَفَرْتُ لَهُمْ.

اللَّهُمَّ يَا وَاسِعَ المَغْفِرَةِ، يَا بَاسِطَ اليَدَيْنِ بِالرَّحْمَةِ، اغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا كُلَّهَا، دِقَّهَا وَجِلَّهَا، أَوَّلَهَا وَآخِرَهَا، سِرَّهَا وَعَلَانِيَتَهَا، مَا عَلِمْنَا مِنْهَا وَمَا لَمْ نَعْلَمْ.

اللَّهُمَّ اغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَإِنْ كَانَتْ عَدَدَ قَطْرِ السَّمَاءِ، وَرَمْلِ عَالِجٍ، وَزَبَدِ البَحْرِ، وَوَرَقِ الشَّجَرِ.

اللَّهُمَّ طَهِّرْ صَحَائِفَنَا مِنَ الخَطَايَا كَمَا يُطَهَّرُ الثَّوْبُ الأَبْيَضُ مِنَ الدَّنَسِ، وَاجْعَلْنَا نَخْرُجُ مِنْ هَذَا اليَوْمِ كَمَا وَلَدَتْنَا أُمَّهَاتُنَا، لَا ذَنْبَ لَنَا وَلَا إِثْمَ عَلَيْنَا.

اللَّهُمَّ يَا مَنْ قُلْتَ وَقَوْلُكَ الحَقُّ: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾، وَيَا مَنْ أَخْبَرَ نَبِيُّكَ ﷺ أَنَّ خَيْرَ الدُّعَاءِ دُعَاءُ يَوْمِ عَرَفَةَ، هَا نَحْنُ نَدْعُوكَ كَمَا أَمَرْتَنَا، وَنَسْأَلُكَ كَمَا وَعَدْتَنَا، فَاسْتَجِبْ لَنَا دُعَاءَنَا، وَلَا تَرُدَّنَا خَائِبِينَ يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ.

اللَّهُمَّ إِنَّا نَسْأَلُكَ مِنْ خَيْرِ مَا سَأَلَكَ مِنْهُ عِبَادُكَ الصَّالِحُونَ، وَنَعُوذُ بِكَ مِنْ شَرِّ مَا اسْتَعَاذَ مِنْهُ عِبَادُكَ المُخْلَصُونَ.

اللَّهُمَّ أَعْتِقْ رِقَابَنَا مِنَ النَّارِ، وَأَعْتِقْ رِقَابَ آبَائِنَا وَأُمَّهَاتِنَا، وَأَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا، وَأَهْلِينَا وَأَحْبَابِنَا، وَجَمِيعِ المُسْلِمِينَ وَالمُسْلِمَاتِ، الأَحْيَاءِ مِنْهُمْ وَالأَمْوَاتِ.

اللَّهُمَّ اجْعَلْنَا فِي هَذَا اليَوْمِ المَجِيدِ مِنْ أَكْثَرِ عِبَادِكَ نَصِيبًا مِنَ العِتْقِ وَالغُفْرَانِ، وَلَا تَجْعَلْنَا مِنَ المَحْرُومِينَ المَطْرُودِينَ عَنْ بَابِكَ يَا كَرِيمُ.

اللَّهُمَّ ارْزُقْنَا حَجَّ بَيْتِكَ الحَرَامِ، وَالوُقُوفَ عَلَىٰ صَعِيدِ عَرَفَاتٍ، وَالشُّرْبَ مِنْ حَوْضِ نَبِيِّكَ ﷺ شَرْبَةً لَا نَظْمَأُ بَعْدَهَا أَبَدًا.

اللَّهُمَّ ارْزُقْنَا زِيَارَةَ المَسْجِدِ النَّبَوِيِّ، وَالصَّلَاةَ فِي الرَّوْضَةِ الشَّرِيفَةِ، وَالسَّلَامَ عَلَىٰ نَبِيِّكَ الكَرِيمِ ﷺ.

اللَّهُمَّ أَصْلِحْ قُلُوبَنَا، وَطَهِّرْ نُفُوسَنَا، وَقَوِّ إِيمَانَنَا، وَثَبِّتْنَا عَلَىٰ دِينِكَ، وَاجْعَلْنَا مِنَ الصَّادِقِينَ التَّائِبِينَ، وَمِنَ الذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًا وَالذَّاكِرَاتِ.

اللَّهُمَّ انْزِعِ الغِلَّ وَالحَسَدَ وَالبَغْضَاءَ مِنْ صُدُورِنَا، وَأَلِّفْ بَيْنَ قُلُوبِنَا، وَاجْمَعْ كَلِمَتَنَا عَلَىٰ الحَقِّ، وَوَحِّدْ صُفُوفَنَا، وَانْصُرْنَا عَلَىٰ أَعْدَائِنَا.

اللَّهُمَّ اشْفِ مَرْضَانَا، وَارْحَمْ مَوْتَانَا، وَفُكَّ أَسْرَانَا، وَاقْضِ دُيُونَنَا، وَفَرِّجْ هُمُومَنَا، وَيَسِّرْ أُمُورَنَا، وَسَدِّدْ خُطَانَا، وَبَارِكْ لَنَا فِي أَعْمَارِنَا وَأَرْزَاقِنَا وَأَوْلَادِنَا. اللَّهُمَّ اجْعَلْنَا مُبَارَكِينَ أَيْنَمَا كُنَّا، وَلَا تَجْعَلْنَا مِنَ الأَشْقِيَاءِ المَحْرُومِينَ.

اللَّهُمَّ اجْعَلْ هَذَا اليَوْمَ شَاهِدًا لَنَا لَا عَلَيْنَا، وَاجْعَلْهُ بَدَايَةَ عَهْدٍ جَدِيدٍ مَعَكَ، عَهْدٍ مِلْؤُهُ التَّوْبَةُ وَالإِنَابَةُ وَالاسْتِقَامَةُ.

اللَّهُمَّ أَحْسِنْ خَاتِمَتَنَا، وَارْزُقْنَا لَذَّةَ النَّظَرِ إِلَىٰ وَجْهِكَ الكَرِيمِ، وَاجْمَعْنَا مَعَ نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ ﷺ فِي الفِرْدَوْسِ الأَعْلَىٰ، مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ، وَحَسُنَ أُولَٰئِكَ رَفِيقًا.

رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً، وَفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً، وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ. رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالإِيمَانِ، وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا، رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَّحِيمٌ. رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا، وَإِنْ لَّمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الخَاسِرِينَ