
رئيس اتحاد الوطن العربي الدولي يؤكد أن النظافة عنوان الكمال الإنساني
بقلم / المفكر العربي الدكتور خالد محمود عبد القوي عبد اللطيف
مؤسس ورئيس اتحاد الوطن العربي الدولي
رئيس الإتحاد العالمي للعلماء والباحثين
حديثنا اليوم يدور حول محورٍ عظيم من محاور هذا الدين الحنيف، ألا وهو النظافة في كل الشؤون العامة والخاصة؛ تلك الخصلة الجامعة التي ترقى بالإنسان من وحل الجاهلية ودنس الإهمال، إلى أوج الطهر والجمال، وتجعل من حياته الخاصة مرآةً لجوهره الفريد، ومن حياته العامة نسيجاً حضارياً يعكس روح الأمم وأخلاق الأفراد. وإن مما يميز شريعة الإسلام أنها لم تترك النظافة على إطلاقها وسعتها دون بيان وتفصيل؛ بل جعلتها عبادةً يُتقرَّب بها إلى الله، وشعبةً من شعب الإيمان، وشرطاً لصحة كثير من العبادات، وسلوكاً فطرياً يتسق مع أصل الخلقة البشرية السوية. وسنقف في هذه المحاضرة وقفات متأنية، نستجلي فيها ألوان النظافة وأنواعها، من نظافة البدن والثوب والمكان، إلى نظافة القلب والعقيدة والسلوك، ثم نظافة الطريق والمرافق العامة، مدعّمين كل ذلك بأدلة الوحيين: كتاب الله تعالى وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، في أسلوب يجمع بين التحقيق العلمي، والترقيق الوعظي، والسبك الأدبي، والتدقيق الفقهي، لنخرج من هذا المقام بقلوبٍ عامرة، وعقولٍ نيّرة، وعزائم متجددة على التطهر في ظاهرنا وباطننا.
المحور الأول: النظافة ركيزة الإيمان وأساس العبادة وقوام الفطرة السليمة
● مكانة الطهارة في الشريعة: بين النص والغاية
إن الناظر في نصوص الوحي ليدرك أن الطهارة بجميع أبعادها ليست ترفاً دنيوياً ولا سلوكاً هامشياً، بل هي قضية إيمانية كبرى، إذ جعلها النبي صلى الله عليه وسلم نصف الإيمان. وقد روى الإمام مسلم في صحيحه من حديث أبي مالك الأشعري رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «الطُّهُورُ شَطْرُ الْإِيمَانِ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ تَمْلَأُ الْمِيزَانَ، وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ تَمْلَآنِ – أَوْ تَمْلَأُ – مَا بَيْنَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ، وَالصَّلَاةُ نُورٌ، وَالصَّدَقَةُ بُرْهَانٌ، وَالصَّبْرُ ضِيَاءٌ، وَالْقُرْآنُ حُجَّةٌ لَكَ أَوْ عَلَيْكَ، كُلُّ النَّاسِ يَغْدُو، فَبَائِعٌ نَفْسَهُ فَمُعْتِقُهَا أَوْ مُوبِقُهَا»< أخرجه مسلم، كتاب الطهارة، رقم 223 >. فتأمل كيف افتتح هذا الحديث الجامع بجعل الطهور شطراً للإيمان، أي نصفه، إيذاناً بأن الإيمان الظاهر والباطن لا يكمل دون عناية المرء بطهارة جوارحه وحواسّه.
ولا يُقبل أشرف العبادات وأجلها وهو الصلاة إلا بطهور، فقد قال النبي صلى الله عليه وسلم محذراً: «لَا يَقْبَلُ اللَّهُ صَلَاةً بِغَيْرِ طُهُورٍ، وَلَا صَدَقَةً مِنْ غُلُولٍ»< أخرجه مسلم، كتاب الطهارة، رقم 224 ) من حديث عبد الله بن عمر>. والغُلول هو الخيانة في مال الغنيمة، فجمع بين إنكار الصلاة بلا طهور وإنكار الصدقة بالخبث المالي، ليجمع بين طهارة البدن وطهارة المال والكسب.
ولما أمر الله نبيه في فاتحة البعثة، أنزل عليه آياتٍ تجمع بين تطهير الظاهر والباطن، فقال سبحانه في محكم التنزيل: ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلۡمُدَّثِّرُ ١ قُمۡ فَأَنذِرۡ ٢ وَرَبَّكَ فَكَبِّرۡ ٣ وَثِيَابَكَ فَطَهِّرۡ ٤ وَٱلرُّجۡزَ فَٱهۡجُرۡ ٥﴾ [المدثر: ١-٥]. فقد أمره بتطهير الثياب، وتطهير الثياب يشمل تنظيفها من الأوساخ والنجاسات، كما يشمل تطهيرها من الإثم والكذب والرياء، فكان أمراً بجمع الطهارة الحسية والمعنوية في آنٍ واحد.
● النظافة جزء من الفطرة التي فطر الله الناس عليها
لم يقف الأمر عند حدود العبادات، بل جعل الإسلام النظافة الشخصية سنناً فطرية لا تنفك عن الإنسان السوي. فعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «الْفِطْرَةُ خَمْسٌ: الْخِتَانُ، وَالِاسْتِحْدَادُ، وَقَصُّ الشَّارِبِ، وَتَقْلِيمُ الْأَظْفَارِ، وَنَتْفُ الْإِبِطِ»< أخرجه البخاري، كتاب اللباس، رقم 5889، ومسلم، كتاب الطهارة، رقم 257 >. بل جاءت رواية أخرى تزيد هذه الخصال لتصل إلى عشر، فعن عائشة رضي الله عنها قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «عَشْرٌ مِنَ الْفِطْرَةِ: قَصُّ الشَّارِبِ، وَإِعْفَاءُ اللِّحْيَةِ، وَالسِّوَاكُ، وَاسْتِنْشَاقُ الْمَاءِ، وَقَصُّ الْأَظْفَارِ، وَغَسْلُ الْبَرَاجِمِ، وَنَتْفُ الْإِبِطِ، وَحَلْقُ الْعَانَةِ، وَانْتِقَاصُ الْمَاءِ – يَعْنِي الِاسْتِنْجَاءَ -» قال الراوي: ونسيت العاشرة إلا أن تكون المضمضة< أخرجه مسلم، كتاب الطهارة، رقم 261 >. فهذه الشعبة العظيمة من شعب الإيمان تربط الإنسان بعالم الفطرة النقية، وتصونه من التشوهات الجسدية ومنازل الأمراض، وتبعده عن مشابهة البهائم التي لا تعرف لنفسها تنظيماً ولا تطهيراً.
المحور الثاني: أنواع النظافة وتنوع أبعادها بين الحسية والمعنوية والشرعية
● أولاً: النظافة الحسية (الجسدية)
وهي تطهير البدن من الأحداث والأخباث، وتطهير الثياب من الأوساخ والنجاسات، وتطهير المكان من القاذورات. وتدخل تحتها كل ممارسات العناية بالجسم التي سنّها الإسلام، من الوضوء والغسل، والسواك، والاستنشاق، والمضمضة، وغسل البراجم (وهي عُقَد الأصابع حيث يجتمع الوسخ)، والاستنجاء والاستجمار.
• تطهير البدن بالماء: الغسل والوضوء
قال تعالى آمراً عباده المؤمنين بالوضوء والغسل عند القيام إلى الصلاة وعند الجنابة: ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْ إِذَا قُمۡتُمۡ إِلَى ٱلصَّلَوٰةِ فَٱغۡسِلُواْ وُجُوهَكُمۡ وَأَيۡدِيَكُمۡ إِلَى ٱلۡمَرَافِقِ وَٱمۡسَحُواْ بِرُءُوسِكُمۡ وَأَرۡجُلَكُمۡ إِلَى ٱلۡكَعۡبَيۡنِۚ وَإِن كُنتُمۡ جُنُبٗا فَٱطَّهَّرُواْۚ وَإِن كُنتُم مَّرۡضَىٰٓ أَوۡ عَلَىٰ سَفَرٍ أَوۡ جَآءَ أَحَدٞ مِّنكُم مِّنَ ٱلۡغَآئِطِ أَوۡ لَٰمَسۡتُمُ ٱلنِّسَآءَ فَلَمۡ تَجِدُواْ مَآءٗ فَتَيَمَّمُواْ صَعِيدٗا طَيِّبٗا فَٱمۡسَحُواْ بِوُجُوهِكُمۡ وَأَيۡدِيكُم مِّنۡهُۚ مَا يُرِيدُ ٱللَّهُ لِيَجۡعَلَ عَلَيۡكُم مِّنۡ حَرَجٖ وَلَٰكِن يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمۡ وَلِيُتِمَّ نِعۡمَتَهُۥ عَلَيۡكُمۡ لَعَلَّكُمۡ تَشۡكُرُونَ﴾ [المائدة: 6]. فانظر كيف خُتمت آية الوضوء والتيمم بهذه الغاية العظيمة: «وَلَٰكِن يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمۡ»، أي أن الله أراد لنا بالطهارة المائية والترابية النقاء الحسي الذي ينعكس على الروح، ونيل تمام النعمة التي تستوجب الشكر.
• مكانة السواك في التطهير والعبادة
لقد أولى النبي صلى الله عليه وسلم للسواك عنايةً فائقة، فجعله مطهرة للفم وسبباً لنيل رضوان الله، فقال صلى الله عليه وسلم: «السِّوَاكُ مَطْهَرَةٌ لِلْفَمِ مَرْضَاةٌ لِلرَّبِّ»< أخرجه النسائي، كتاب الطهارة، رقم 5، وصححه العلماء >. وما ذلك إلا لأنه يجمع بين النظافة الحسية من بقايا الطعام ويطيب رائحة الفم، وبين العبادة التي يرضى بها الخالق جل وعلا. بل إنه عليه الصلاة والسلام كان حريصاً على أن يجعله عادة دائمة للمسلمين، حتى قال: «لَوْلَا أَنْ أَشُقَّ عَلَى أُمَّتِي – أَوْ عَلَى النَّاسِ – لَأَمَرْتُهُمْ بِالسِّوَاكِ عِنْدَ كُلِّ صَلَاةٍ»< أخرجه البخاري، كتاب الجمعة، رقم 887، ومسلم، كتاب الطهارة، رقم 252 >. فتصوَّر لو أن المسلمين التزموا بالسواك أو بفرشاة الأسنان عند كل صلاة، أي خمس مرات يومياً، كيف ستكون صحة أفواههم وروائح أنفاسهم؟ إن الإسلام بذلك يسبق النظم الصحية الحديثة في الحث على العناية بالفم وتنظيفه المتكرر.






● ثانياً: النظافة الشرعية (الطهارة من الحدث والخبث)
والنظافة الشرعية قسمان رئيسيان: طهارة من الحدث (الأكبر والأصغر) وطهارة من الخبث (النجاسة المادية). وقد فصّل الفقهاء في موجباتها وكيفياتها، وكل ذلك منضبط بضوابط الوحيين.
• فالطهارة من الحدث الأصغر تكون بالوضوء، والطهارة من الحدث الأكبر تكون بالغسل من الجنابة والحيض والنفاس.
• وطهارة الخبث تكون بإزالة عين النجاسة عن البدن والثوب والمكان، ولو بغير الماء عند بعض الفقهاء، إلا أن الماء هو الأصل في التطهير لأنه أقوى المطهرات.
قال سبحانه مادحاً أهل مسجد قباء الذين جمعوا بين طهارة الماء وطهارة الاستنجاء: ﴿فِيهِ رِجَالٞ يُحِبُّونَ أَن يَتَطَهَّرُواْۚ وَٱللَّهُ يُحِبُّ ٱلۡمُطَّهِّرِينَ﴾ [التوبة: 108]. لقد أثنى الله عليهم لأنهم جمعوا بين الوضوء الشرعي والاستنجاء بالماء، فاستحقوا محبة الله العظيمة.
● ثالثاً: النظافة المعنوية (طهارة الباطن)
لا تكتمل صورة النظافة في الإسلام حتى يطهر المرء قلبه من أدران الشرك والحسد والغل والبغضاء. فالإيمان النقي الطاهر هو إيمان الموحّد الذي لم تشبه شوائب الوثنية، وقد قال تعالى: ﴿إِنَّمَا ٱلۡمُشۡرِكُونَ نَجَسٞ﴾ [التوبة: 28]، وهذه نجاسة معنوية حكمية، تنبذ أصحابها عن ساحة التوحيد. كما قال النبي صلى الله عليه وسلم مبيناً مقياس الحكم على البشر: «إِنَّ اللَّهَ لَا يَنْظُرُ إِلَى صُوَرِكُمْ وَأَمْوَالِكُمْ، وَلَٰكِنْ يَنْظُرُ إِلَى قُلُوبِكُمْ وَأَعْمَالِكُمْ»< أخرجه مسلم، كتاب البر والصلة، رقم 2564 >. فطهارة القلب محط نظر الله، وإنفاق المال الحلال وتطهيره من أدران الربا والرشوة داخل في قوله: ﴿خُذۡ مِنۡ أَمۡوَٰلِهِمۡ صَدَقَةٗ تُطَهِّرُهُمۡ وَتُزَكِّيهِم بِهَا﴾ [التوبة: 103].
المحور الثالث: آداب النظافة في الشؤون الخاصة وأسرارها الشرعية والصحية
● نظافة السبيلين وما يتعلق بقضاء الحاجة
لقد أدب النبي صلى الله عليه وسلم هذه الأمة بآداب بديعة في قضاء الحاجة تجمع بين الوقار والطهارة والابتعاد عن كل ما يؤذي النفس والغير، فعن أبي أيوب الأنصاري رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إِذَا أَتَى أَحَدُكُمُ الْغَائِطَ فَلَا يَسْتَقْبِلِ الْقِبْلَةَ، وَلَا يَسْتَدْبِرْهَا، وَلْيَسْتَطِبْ بِثَلَاثَةِ أَحْجَارٍ»< أخرجه مسلم، كتاب الطهارة، رقم 262 >. فالاستطابة هنا الاستنجاء بالأحجار أو ما يقوم مقامها من المناديل الطاهرة، ثم جاء الأمر بالاستنجاء بالماء زيادةً في التطهير، فكان من كمال النظافة أن يجمع المسلم بين الحجر والماء، أو يقتصر على الماء إن تيسر، فإن لم يجد فثلاثة أحجار طاهرة منقية. وهذا وحده كفيل بإذهاب النجاسة وأثرها عن البدن، فلا يقف المصلي بين يدي ربه وفي بدنه أثر الخبث.
● سنن يوم الجمعة والأعياد واجتماع الناس
إذا كانت الشرائع الأرضية توصي بالاستحمام مرة كل يوم أو يومين، فإن الشرع الحنيف جعل للجمعة غسلاً واجباً على المحتلم، ليكون المصلون في أبهى صورة عند اجتماعهم. قال صلى الله عليه وسلم: «غُسْلُ يَوْمِ الْجُمُعَةِ وَاجِبٌ عَلَى كُلِّ مُحْتَلِمٍ، وَأَنْ يَسْتَنَّ (أي يتسوّك) وَأَنْ يَمَسَّ طِيبًا إِنْ وَجَدَ»< أخرجه البخاري، كتاب الجمعة، رقم 880 >. فهذا أمر جامع بين النظافة الجسدية (الغسل) ونظافة الفم (الاستنان) ثم التطيب، وذلك لأن يوم الجمعة يوم عيد المسلمين الأسبوعي الذي يجتمعون فيه بأعداد كبيرة، فينبغي أن يكون كل واحد منهم في أحسن هيئة وأطيب ريح حتى لا يؤذي إخوانه.
● تجنب الروائح الكريهة عند مخالطة الناس
لما كان الثوم والبصل ونحوهما من المأكولات تترك في الفم رائحةً مستكرهة، أرشد النبي صلى الله عليه وسلم آكلها أن يعتزل المسجد حتى لا يضر المصلين والملائكة، فقال: «مَنْ أَكَلَ ثُومًا أَوْ بَصَلًا فَلْيَعْتَزِلْنَا – أَوْ فَلْيَعْتَزِلْ مَسْجِدَنَا – وَلْيَقْعُدْ فِي بَيْتِهِ»< أخرجه البخاري، كتاب الاعتصام، رقم 855، ومسلم، كتاب المساجد، رقم 564 >. فالحديث يعلمنا أن نظافة الفم والبعد عن الروائح المنفّرة من أهم قواعد النظافة الاجتماعية العامة، فكيف بمن يدخن السجائر فتمتلئ رئته وثيابه وريقه بالسموم والنتن ثم يقف إلى جوار المصلين؟ إن تعاليم الإسلام في هذا الباب لجديرة بأن تُتخذ دليلاً عصرياً للإتيكيت والذوق العام.
المحور الرابع: النظافة في الشؤون العامة وتجليات الإيمان الحضاري
● الأمر بإماطة الأذى عن الطريق واعتباره شعبة من شعب الإيمان
إن أبرز مظاهر النظافة العامة هو إماطة الأذى عن طريق الناس، وقد بلغ من عناية الإسلام بهذا الأمر أن جعله من الإيمان ذاته. فقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: «الْإِيمَانُ بِضْعٌ وَسَبْعُونَ – أَوْ بِضْعٌ وَسِتُّونَ – شُعْبَةً، فَأَفْضَلُهَا قَوْلُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَأَدْنَاهَا إِمَاطَةُ الْأَذَى عَنِ الطَّرِيقِ، وَالْحَيَاءُ شُعْبَةٌ مِنَ الْإِيمَانِ»< أخرجه مسلم، كتاب الإيمان، رقم 35 >. فإماطة الأذى، ولو كان شوكةً في الطريق أو حجراً يعثر به المارّة أو قاذورات تلوث المكان، سلوك إيماني رفيع، وليس مجرد عمل تطوعي. بل إن النبي صلى الله عليه وسلم قص علينا قصة رجل نال المغفرة بسبب إزالة غصن شوك عن طريق المسلمين، فقال: «بَيْنَمَا رَجُلٌ يَمْشِي بِطَرِيقٍ وَجَدَ غُصْنَ شَوْكٍ فَأَخَّرَهُ، فَشَكَرَ اللَّهُ لَهُ، فَغَفَرَ لَهُ»< أخرجه البخاري، كتاب الأذان، رقم 652، ومسلم، كتاب البر والصلة، رقم 1914 >. فيا لله! كم من غصن شوك معنوي وحسي نمر به في حياتنا العامة دون أن نلتفت إليه، ولو التفتنا لنلنا مغفرة الله ورضوانه!
● النهي عن تلويث المرافق العامة والموارد الطبيعية
إن التخلي في طريق الناس أو في ظلهم من أعظم الأذى الذي يستجلب اللعنات، وقد حذر النبي صلى الله عليه وسلم منه أشد التحذير: فعن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «اتَّقُوا اللَّعَّانَيْنِ» قالوا: وما اللاعنان يا رسول الله؟ قال: «الَّذِي يَتَخَلَّى فِي طَرِيقِ النَّاسِ أَوْ فِي ظِلِّهِمْ»< أخرجه مسلم، كتاب الطهارة، رقم 269 >. فالذي يلوث الطرقات والممرات والظلال بالمخلفات يبوء بلعنة الله ولعنة عباده، لأنه اعتدى على حق عام وأفسد بيئة الناس.
ولما كان الماء أصل الحياة وعماد الطهارة، نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن تلويثه، فقال: «لَا يَبُولَنَّ أَحَدُكُمْ فِي الْمَاءِ الدَّائِمِ الَّذِي لَا يَجْرِي، ثُمَّ يَغْتَسِلُ فِيهِ»< أخرجه البخاري، كتاب الوضوء، رقم 239، ومسلم، كتاب الطهارة، رقم 282 >. وفي رواية: «ثُمَّ يَتَوَضَّأُ فِيهِ». فانظر كيف حجر الإسلام على عبث العابثين بمياه الآبار والبرك والبحيرات، وكيف منع إلقاء النجاسات فيها، حفظاً للصحة العامة ومنعاً لانتشار الأمراض. بل إن الإسلام نهى عن الإفساد البيئي بكل صوره، فقال سبحانه: ﴿وَلَا تُفۡسِدُواْ فِي ٱلۡأَرۡضِ بَعۡدَ إِصۡلَٰحِهَاۚ ذَٰلِكُمۡ خَيۡرٞ لَّكُمۡ إِن كُنتُم مُّؤۡمِنِينَ﴾ [الأعراف: 85]. وتلويث الأنهار والمصانع والطرق ضرب من الإفساد الذي يحول الأرض من جنة موفورة إلى خراب يباب.
● نظافة المساجد وبيوت الله: القدوة والمبدأ
لما بال الأعرابي في طائفة المسجد، قام إليه الصحابة ليمنعوه، فأمرهم النبي صلى الله عليه وسلم أن يتركوه حتى يقضي بوله، ثم دعا بماء فأُهريق عليه، ثم التفت إليهم معلماً ومربياً، فقال: «إِنَّمَا بُعِثْتُمْ مُيَسِّرِينَ وَلَمْ تُبْعَثُوا مُعَسِّرِينَ»، وأردف قائلاً: «إِنَّ هَٰذِهِ الْمَسَاجِدَ لَا تَصْلُحُ لِشَيْءٍ مِنَ الْبَوْلِ وَلَا الْقَذَرِ، إِنَّمَا هِيَ لِذِكْرِ اللَّهِ وَالصَّلَاةِ وَقِرَاءَةِ الْقُرْآنِ»< أخرجه مسلم، كتاب الطهارة، رقم 285 >. لقد جمع الموقف بين الرفق بالجاهل، وتعليمه، وصيانة حرمة بيوت الله، الأمر الذي يلزم الولاة وعمّار المساجد والمصلين بالمحافظة على طهارة المساجد وفرشها وأجوائها من كل دنس وقذر ورائحة كريهة، فالمساجد رياض الجنة في الأرض.
المحور الخامس: النتائج والثمرات العملية للنظافة في الفرد والمجتمع
● على صعيد الفرد: الصحة والعافية والقبول الاجتماعي
إن تعاليم النظافة الإسلامية تقي من أمراض جلدية ومعدية لا حصر لها؛ فالوضوء خمس مرات يومياً يغسل الأعضاء المكشوفة التي تتعرض للأتربة والجراثيم، والغسل من الجنابة ينشط الدورة الدموية ويزيل الإفرازات الدهنية المتراكمة، والسواك يحمي الفم من التسوس والأمراض اللثوية، وقص الأظافر يمنع تجمع الأوساخ تحتها فتنقل الميكروبات إلى الطعام، وإزالة شعر الإبط والعانة يمنح الجسم الراحة والانتعاش ويقلل الروائح الكريهة. فسبحان من شرع لعباده ما يصلحهم ويسعدهم!
وكما قال الأطباء قديماً وحديثاً: «النظافة تقي ولا تغني»، فالوقاية خير من العلاج، والإسلام دين الوقاية الأكبر. إن الإنسان النظيف المهندم ينال احترام الناس وتقديرهم، ويُفتح له باب القبول في القلوب، بخلاف المهمل الوسخ الذي ينفضّ عنه الجمع وتنقبض منه النفوس.
● على صعيد الأمة: بيئة آمنة وحضارة راقية
حين يلتزم عموم الناس بتعاليم دينهم في إماطة الأذى، وتنظيف الطرقات، وعدم تلويث المياه، فإن المجتمع بأسره يرتقي إلى مصاف الحضارة الإنسانية الراقية. تلك الحضارة التي لا تقوم على الشعارات ولا على المباني الشاهقة وحدها، بل على أخلاق الأفراد وسلوكهم في المرافق العامة. فكم من أمة متقدمة تقنياً، ولكن شوارعها تشكو من القاذورات، ومتنزهاتها ملوثة بالمخلفات، مما ينغص على الناس معيشتهم. أما الإسلام فقد جعل النظافة سمة إيمانية، وألزم بها كل مسلم ومسلمة، وجعل المحافظة على البيئة من مقتضيات الإيمان الصادق.
● على صعيد الآخرة: نيل محبة الله والفوز برضوانه
إن أعظم ثمرات النظافة أنها تجلب محبة الله سبحانه، كما في آية البقرة التي قال فيها: ﴿وَيَسۡـَٔلُونَكَ عَنِ ٱلۡمَحِيضِۖ قُلۡ هُوَ أَذٗى فَٱعۡتَزِلُواْ ٱلنِّسَآءَ فِي ٱلۡمَحِيضِ وَلَا تَقۡرَبُوهُنَّ حَتَّىٰ يَطۡهُرۡنَۖ فَإِذَا تَطَهَّرۡنَ فَأۡتُوهُنَّ مِنۡ حَيۡثُ أَمَرَكُمُ ٱللَّهُۚ إِنَّ ٱللَّهَ يُحِبُّ ٱلتَّوَّٰبِينَ وَيُحِبُّ ٱلۡمُتَطَهِّرِينَ﴾ [البقرة: 222]. فوصفهم بأنهم متطهرون، أي يبالغون في التطهر من النجاسات والأحداث والأخلاق الذميمة، فاستحقوا هذا الحب الرباني الجليل. وأي شرف أعلى من أن يحبك الله؟
الخاتمة: دعوة للامتثال والتخلق بخلق الإسلام في النظافة شاملة
أيها المؤمنون، أيها الحضور الكريم، إن النظافة في الميزان الإسلامي ليست مجرد سلوك اختياري، بل هي تكليف شرعي وضرورة حياتية، من فرَّط فيها فرَّط في إيمانه، ومن أحسن فيها أحسن إلى نفسه وأمته ودينه. فلنبدأ بأنفسنا، نطهّر بواطننا من الشرك والرياء والحسد والكبر، كما نطهّر ظواهرنا بالماء والسواك والطيب، ولنجعل بيوتنا وطرقاتنا وأماكن عملنا ومتنزهاتنا مرآةً لنقاء الإسلام وجماله. فلقد صدق من قال: «الإسلام نظيف فنظفوا، فإنه لا يدخل الجنة إلا نظيف». ولنعلم أن الله جميل يحب الجمال، طيب يحب الطيب، نظيف يحب النظافة، فخذوا بأسباب هذه المحبة تنالوا شرف الدنيا وسعادة الأخرى.
وبعد هذا التطواف المبارك، وهذا المسير الطويل في النصوص والمفاهيم، نقف وإياكم على أبواب الختام لنسجل أسمى دروس هذا المقام، ونوثق أماني القلوب، ونعقد العزم على أن نكون بحقٍ من عباد الله المتطهرين، الذين يحبهم ويحبونه.
أيها الأحبة الكرام:
لقد انكشف لنا جلياً أن النظافة في شريعة الإسلام ليست حكايةً تروى، ولا سلوكاً ثانوياً يمارسه المرء على هامش الحياة، بل هي دينٌ يُدان به، وقربى يُتقرب بها إلى رب العزة، وجوهرٌ تتجلى به حقيقة الإنسانية السوية، وعلامةٌ مضيئة من علامات الإيمان الصادق. إنها منظومة متكاملة تشمل الباطن قبل الظاهر، وتستوعب الخاصة والعامة، وتنتظم الفرد والأمة، وتصل الدنيا بالآخرة.
من طهارة التوحيد ونقاء العقيدة، إلى طهارة الجوارح والأبدان، إلى طهارة الثياب والأماكن، إلى طهارة المال والكسب، إلى طهارة الطريق والمرفق العام، إلى طهارة اللسان من الفحش، وإلى طهارة القلب من الغل والحسد، كلها شعبٌ من الإيمان يجب أن نجمعها ولا نفرقها، وأن نتمسك بها ولا نهملها.
فطوبى لمن جعل القرآن إمامه، وسنة المصطفى عليه الصلاة والسلام هاديه، فاهتدى بهدي النظافة وآمن بأن دينه دين الجمال والطهر والبهاء. ويا حسرةً على من فرّط في هذا الإرث النبوي العظيم، فمشى في الناس بدنه قذر، أو ثوبه دنس، أو فمه نتن، أو بيته مبعثرةٌ فيه الأوساخ، أو ألقى في الطريق ما يؤذي المارة، أو أهمل نظافة قلبه فأظلم، ونظافة سريرته فغلب عليها الهوى والشيطان.
فلنجعل من هذه المحاضرة شرارةً توقد في نفوسنا نار الحمية على دين الله، ولنبدأ من الآن: فلنعد إلى بيوتنا فنصلح ما فسد من أحوالها، ولنحسن الوضوء ونطيل الغرّة والتحجيل، ولنتخذ من السواك وفرشاة الأسنان صاحباً في كل صلاة، ولنعتنِ بقص الأظافر وإزالة الشعر الذي أمرت به الفطرة، ولنحرص على ملابس نظيفة طيبة الرائحة خاصة عند الذهاب إلى المساجد والجماعات، ولنمتنع عن أكل ما يضر بالآخرين برائحته الكريهة قبل مخالطتهم، ولنكن عيوناً ساهرة على طرقات المسلمين، فنميط عنها الأذى ونحتسب ذلك عند الله قربةً وإيماناً.
واعلموا أن النظافة جهادٌ للنفس والشيطان، لأن النفس أمارة بالكسل والإهمال، والشيطان يزين الفوضى والقبح، فمن غلب نفسه وهواه، واتبع شرع ربه ومولاه، فقد فاز فوزاً عظيماً. ولا تنسوا أن النظافة عبادة صامتة، تشهد لصاحبها يوم القيامة، وهي دليل شكره لله على نعمة الصحة والمال والمسكن والثياب.
اللهم اجعلنا من المتطهرين حقاً، واجمع لنا بين طهارة البدن وطهارة الروح، وبين نظافة السر ونظافة العلن، وبين نقاء القلب ونقاء الجوارح. واكتب لنا بهذه الخصلة الكريمة الدرجات العلى في جنات النعيم، مع النبيين والصديقين والشهداء والصالحين، وحسن أولئك رفيقاً.
اللهم يا من خلقت الإنسان في أحسن تقويم، وهديته إلى سنن الفطرة وشرائع التطهير، وجعلت الطهور شطر الإيمان، وعلامةً لأهل الإسلام والإحسان، نَسْأَلُكَ بأسمائك الحسنى وصفاتك العُلى، أن تجعلنا من عبادك المتطهرين ظاهراً وباطناً، وأن تلبسنا لباس التقوى وثوب النظافة والعافية في الدنيا والآخرة.
اللهم طهّر قلوبنا من الشرك والنفاق والرياء، كما يُطهَّر الثوب الأبيض من الدنس، وطهّر عقائدنا من الشبهات والضلالات، وطهّر نياتنا من حب الظهور والشهرة والإعجاب بالنفس، واجعل أعمالنا كلها خالصةً لوجهك الكريم.
اللهم طهّر أبداننا من الأحداث والأخباث، وحبب إلينا الوضوء والغسل، وأعنّا على إسباغ الوضوء على المكاره، ووفقنا للغُسل الواجب والمسنون في وقته، وارزقنا الاستنان بالسواك عند كل صلاة، واجعل أفواهنا طيبةً بذكرك، نقيّةً من الروائح الكريهة.
اللهم زيّنا بزينة الفطرة، ووفقنا للختان والاستحداد، وقص الشارب، وتقليم الأظافر، ونتف الإبط، وحلق العانة، وغسل البراجم، والاستنشاق والمضمضة والاستنجاء، حتى نكون من أطهر عبادك سمتاً وهيئةً.
اللهم طهّر ثيابنا وأبداننا من النجاسات والأوساخ، وارزقنا من المال الحلال ما نقتني به أطيب الثياب وأطهرها، وجنّبنا الإسراف والمخيلة في الملبس، واجعل لباسنا تذكيراً لنا بسترك الجميل، وطهراً لظاهرنا يعيننا على طهارة بواطننا.
اللهم طهّر مساكننا وبيوتنا، فاجعلها نظيفةً منظمةً، مملوءةً بذكرك وطاعتك، عامرةً بأداء السنن والرواتب، ووفقنا لإكرام ضيوفنا فيها بأطيب المجالس والفرش والمآكل، على نظافة وطهر وإيمان.
اللهم طهّر مساجدك يا رب العالمين، ووفقنا لتعظيمها والحرص على نظافتها ظاهراً وباطناً، وارزقنا عمارتها بالصلاة والذكر والقيام، واصرف عنّا وعن إخواننا المصلين كل أذى ونتن وقذر، واجعلنا نتعاهد المساجد بالتنظيف والتطييب احتساباً لوجهك الكريم.
اللهم طهّر طرقات المسلمين من الأذى والقاذورات، وارزقنا إماطة الأذى عن الطريق، ووفقنا أن نكون مفاتيح للخير مغاليق للشر، لا نلقي إلا طيباً، ولا نترك إلا أثراً حسناً، ولا نمر بمرفق عام إلا نزّهنا فيه أنفسنا وعيالنا.
اللهم طهّر المياه والأنهار والبحار، وامنع عنها كل تلوث وفساد، ووفق ولاة الأمور وأهل الحل والعقد لسنّ القوانين الرادعة لكل معتدٍ على البيئة والمرافق، واجعلنا أمةً متحضرةً، راقيةً بنظافتها، سبّاقةً إلى كل خير.
اللهم طهّر أموالنا من الحرام، وطهر مطاعمنا ومشاربنا من الشبهات، وارزقنا لقمةً طيبةً حلالاً تُعيننا على عبادتك وطاعتك، وجنبنا أكل السحت والربا والرشوة، وطهّر أبداننا مما نأكل ونشرب، حتى نكون من زمرة الذين لا يتقبل الله منهم إلا طيباً.
اللهم طهّر ألسنتنا من الغيبة والنميمة والفحش والبذاءة، وطهّر أسماعنا من الغناء والزور واللغو، وطهّر أبصارنا من النظر إلى الحرام، وطهّر فروجنا من الفواحش ما ظهر منها وما بطن.
اللهم طهّر مجتمعات المسلمين من أدران الفرقة والبغضاء، وطهّر قلوبنا من الغل والحسد لإخواننا المؤمنين، واجعلنا كما قلت: ﴿إِخۡوَٰنٗا عَلَىٰ سُرُرٖ مُّتَقَٰبِلِينَ﴾، طاهرين متطهرين، مجتمعين على الخير، متحابين فيك، متعاونين على البر والتقوى.
اللهم طهّر أرواحنا إذا قبضتها، وطهّر صحائفنا من الذنوب والخطايا، وطهّرنا يوم العرض عليك من الخزي والفضيحة، وطهّر وجوهنا يوم تبيض وجوه وتسود وجوه، فاجعلها بيضاء نضرة إليك ناظرة.
اللهم إنا نسألك حبك، وحب من يحبك، وحب كل عمل يقرّبنا إلى حبك، وأن تجعل التطهّر والتطهر في كل شؤوننا أحب إلينا من الماء البارد على الظمأ، وأن ترزقنا لذة الطهارة والنقاء، ونعيم الجمال والنظام، وشرف الامتثال لأمرك واتباع سنة نبيك محمد صلى الله عليه وسلم في كل صغيرة وكبيرة من شؤون النظافة.
اللهم اغفر لنا تقصيرنا وتفريطنا، وتجاوز عن إهمالنا وغفلتنا، وامنن علينا بدوام العافية والصحة، وارزقنا الصدق في التوبة، والثبات على الطهر إلى الممات.
اللهم صلّ وسلم وبارك على سيدنا محمد، النبي الطاهر المطهر، الذي كان أحسن الناس خُلقاً وخَلقاً، وأطهرهم ثوباً وبدناً وقلباً، وأكملهم هدياً وسمتاً، صلاةً تليق بمقامه الشريف، وتشرح بها صدورنا، وتطهر بها نفوسنا، وتغسل بها ذنوبنا.
اللهم صلّ عليه وعلى آله الطيبين الطاهرين، وعلى أزواجه أمهات المؤمنين المطهرات، وعلى صحابته الغر الميامين، الذين حملوا لواء النظافة والطهر للعالمين، وبلغوا الدين كما أمروا، فكانوا أطهر جيل وأرعاه لحق الله وحق العباد.
وارض اللهم عن التابعين وتابعيهم بإحسان إلى يوم الدين، وعنا معهم برحمتك يا أرحم الراحمين.
ربنا تقبل منا دعاءنا وعبادتنا، وطهّرنا للقائك، وطهّر أعمالنا لقبولك، وطهّر بيوتنا وذرياتنا وأزواجنا لتكون قرة أعيننا، واجعلنا للمتقين إماماً، وفي زمرة عبادك المتطهرين المحبوبين.

