
رئيس اتحاد الوطن العربي الدولي يتحدث عن الأزمات النفسية والروحية في حياة العلماء
بقلم \ المفكر العربي الدكتور خالد محمود عبد القوي عبد اللطيف
مؤسس ورئيس اتحاد الوطن العربى الدولى
رئيس الإتحاد العالمي للعلماء والباحثين
الأزمات النفسية والروحية في حياة العلماء .. الغزالي والسيوطي أنموذجين!
لعل أشهر هذه الأزمات؛ ما تعرض له حجة الإسلام الإمام أبو حامد الغزالي، مجدد القرن الخامس، والإمام جلال الدين السيوطي، مجدد القرن التاسع!
أما الغزالي فتُمَثِّل أزمته واحدة من أشهر وأعمق الأزمات الروحية والفكرية في تاريخ الفكر الإسلامي، حيث أدت إلى تحول كامل في مسار حياته، وهي سبب شهرته التاريخية، وبروزه كنجم متوهج في تاريخ الإسلام، ولولاها لكان كسائر الناس!
فقد كان الغزالي في أَوْجِ مجده وجاهه؛ حيث كان يتولى التدريس في “المدرسة النظامية ببغداد” – أكبر مركز علمي وثقافي في العالم الإسلامي في ذلك الوقت – وكان مقرباً من السلاطين والوزراء – خاصة الوزير نظام المُلك – ويحضُر دروسه مئات العلماء والطلاب!
ورغم هذا النجاح، بدأت تتشكل لديه أزمة على مستويين:
الأول: الشك المنهجي والفلسفي:
تساءل الغزالي عن حقيقة المعارف التي يحملها، واستعرض المناهج السائدة في عصره لمعرفة الحق (المتكلمون، الباطنية، الفلاسفة، الصوفية)، ودخل في مرحلة شك طالت الحواس والعقل نفسه، ورأى أن هذه الحواس والعقول ليست كافية لتحقيق اليقين!
الثاني: الأزمة الأخلاقية والنية:
راجع نفسه وبواعثه في تدريس العلوم ونشرها، فوجد أن علومه لم تكن خالصة لوجه الله، بل كان يخالطها طلب الجاه، والانتشار، والثناء من الناس!
وفي عام 488 هـ بلغت الأزمة أَوْجَها، ووصفها الغزالي بنفسه في كتابه: [المنقذ من الضلال]، بأنها قد وصلت إلى درجة العجز عن النطق، والأكل، وفقدان الشهية، والامتناع عن التدريس، حتى إن الأطباء عجزوا عن علاجه، وقالوا: “هذا أمر نزل بالقلب، ومنه سرى إلى المزاج، فلا سبيل إليه بالعلاج إلا بأن يروح السر عن الهم المُلِمّ!”.
وعاش الغزالي في صراع نفسي، لمدة ستة أشهر، بين ترك الدنيا والجاه لوجه الله، وبين البقاء والتمسك بالرئاسة!
ثم حسم الغزالي أمره، وخاطر بكل منصبه وجاهه، وترك بغداد عام 488 هـ معلناً أنه يخرج إلى مكة للحج، تغطيةً لرغبته في الاعتزال حتى لا يمنعه الخليفة أو أصحابه، وأقام خارج وطنه نحو عشر سنوات، متجولاً بين الشام (دمشق والقدس)، ومكة والمدينة!
وفرغ وقته للتزكية، والرياضة الروحية، وعمارة القلب بالذكر، ومجاهدة النفس!
ولما كان الغزالي صادقا في توجهه؛ فقد أثمرت هذه الأزمة النفسية عن ولادة جديدة للغزالي تفكيراً وسلوكاً، فقد وصل إلى درجة اليقين الروحي، حيث وجد الغزالي ضالته وطمأنينته في طريق الصوفية (التزكية والذوق الروحي)، معتبراً أن العلم بلا عمل ولا صفاء؛ قلب لا ينجي!
كما ألّف – خلال عزلته وبعدها – موسوعته الشهيرة: [إحياء علوم الدين]، التي دمج فيها بين الفقه، والأخلاق، والتصوف، لتزكية السلوك المسلم!
ثم عاد إلى التدريس لفترة وجيزة في نيسابور ثم طوس، ولكن بروح الزاهد المنقطع إلى الله، لا طالب الجاه والمناصب، حتى وفاته في سنة 505 هـ!
والحاصل: أن أزمة الغزالي كانت انتقالاً من “عالم الدولة والجاه” إلى “عالم الخلوة والصفاء”، ومن الجدل والبحث النظري إلى السلوك والتزكية العملية!
وأما السيوطي فكانت أزمته واحدة من أبرز محطات الصراع العلمي والاجتماعي في تاريخ الفكر الإسلامي، نشأت عن حسد الأقران، والخلافات حول الوظائف والأوقاف، والدعاوى العلمية الجريئة التي أعلنها السيوطي!
فقد أعلن السيوطي أنه بلغ رتبة “الاجتهاد المطلق”، وأنه مجدد القرن التاسع الهجري، مما أثار حفيظة علماء عصره الذين كانوا يرون أن باب الاجتهاد قد أُغلق، واعتبروا ذلك استعلاءً عليهم!
كما ادعى أنه يرى النبي ﷺ يقظةً، ويشافهه بالحديث، وتصحيحه، وهو ما أنكره عليه كثير من علماء عصره!
كما دخل السيوطي في سجالات ومعارك علمية حادة مع أبرز علماء عصره، وعلى رأسهم الإمام السخاوي؛ حيث تبادلا ردوداً قاسية ومؤلفات في نقد بعضهما البعض!
وتولى السيوطي مشيخة “الخانقاه الشيخونية”، وعزم على الإصلاح المالي والإداري بها، وحاول تطبيق شروط الواقف بحزم، وإسقاط من لا يستحق من الصوفية والفقهاء، مما ألَّب عليه جملة من المتفقهة والعامة الذين قُطعت أرزاقهم!
وفي عام 906 هـ بلغت المحنة أَوْجَها بصورة عملية وعلنية، حيث ثار عليه الصوفية والمتفقهة، وهجم المقيمون في “الخانقاه الشيخونية” على السيوطي، ورموه بالنعال والحجارة، وكادوا يقتلونه لولا أنه هرب واختبأ في بيته!
وقد استغل خصومه الأزمة لدى السلطان المملوكي (طومان باي الأول)، فصدر أمر بعزله من “مشيخة الخانقاه”، ومن الإفتاء والتدريس!
وأمام هذا الهجوم والخذلان؛ اتخذ السيوطي قراراً حاسماً غيَّر مسار بقية حياته، حيث اعتزل الناس اعتزالا تاما، وانكفأ في بيته بـ روضة المقياس (جزيرة الروضة بالقاهرة)، وقطع علاقته بالسلاطين والقضاة والعلماء!
وعندما حاول بعض السلاطين والأمراء – لاحقاً – استرضاءه، ودعوته للحضور إلى المجالس، أو العودة للتدريس، معلنين ندمهم على ما جرى له؛ رفض رفضاً قاطعاً، وقال قولته الشهيرة: “إنه فرغ نفسه للتأليف والعبادة، ولن يطأ باب سلطان!”.
وقد استغل فترة العزلة التي امتدت لنحو خمس سنوات حتى وفاته 911 هـ في كتابة وتحرير مئات المؤلفات من الكتب والرسائل العلمية؛ إذ تفرغ كلياً للتأليف والتصنيف دون شواغل التدريس أو المنازعات!
وقد ضرب السيوطي بموقفه نموذجاً في الترفع عن مناصب الدولة، وقطع الصلة بالأمراء والسلاطين، ورسخ مكانته كمجدد، ومؤرخ، ومفسر، ومحدث، أثرى المكتبة الإسلامية بقلمه وعلمه وفكره!
والحاصل: أن أزمة السيوطي كانت صراعاً بين عالِم يرى نفسه مجدداً ومجتهداً؛ وبين بيئة علمية وسياسية غلب عليها التقليد والمنافسة على المناصب، وانتهت بانتصار السيوطي علمياً وتاريخياً عبر اعتزاله وتفرغه لموسوعاته الخالدة!

