رئيس اتحاد الوطن العربي الدولي يتحدث عن جبر الخاطر

رئيس اتحاد الوطن العربي الدولي يتحدث عن جبر الخاطر

بقلم \ المفكر العربي الدكتور خالد محمود عبد القوي عبد اللطيف

مؤسس ورئيس اتحاد الوطن العربى الدولى

رئيس الإتحاد العالمي للعلماء والباحثين

إلى من يستطيع أن يجبر خاطرًا… لا تؤجل الخير

ليس كل فقيرٍ يمد يده،

وليس كل إنسانٍ يضحك أمامك يعيش بخير.

هناك أوجاعٌ تختبئ خلف الوجوه، وحكاياتٌ كاملة يسكت عنها أصحابها لأن كرامتهم تمنعهم من السؤال.

أبٌ يخرج إلى عمله، ويعود إلى بيته وهو يفكر ألف مرة قبل أن يشتري لأطفاله ما يحتاجون.

أمٌّ ترى حاجة أبنائها، فتؤجلها مرةً بعد مرة، وتقول: «ربما غدًا»، وهي لا تعرف ماذا سيحمل الغد.

شابٌّ يحمل حلمًا كبيرًا، لكن ضيق الحال يقف بينه وبين الطريق.

وطفلٌ ينظر إلى ما في أيدي غيره، ولا يفهم لماذا حُرم منه… لكنه يشعر.

وهنا، لا يكون السؤال: كم نملك؟

بل يكون السؤال الأصدق:

كم نستطيع أن نفعل بما نملك؟

فربما كان الشيء الذي تراه صغيرًا في يدك، كبيرًا جدًا في قلب إنسان ينتظره.

وربما كانت سلة طعامٍ بسيطة عندك، هي راحةُ أمٍّ قضت ليلها تفكر كيف ستطعم أبناءها.

وربما كانت كسوة طفلٍ عندك أمرًا عاديًا، لكنها عند طفلٍ آخر لحظةٌ لن ينساها.

وربما كان مبلغًا بسيطًا دفعته عن محتاج، سببًا في أن ينام تلك الليلة وقلبه أكثر اطمئنانًا.

هنا نفهم معنى جبر الخاطر…

فجبر الخاطر ليس منشورًا جميلًا، ولا عبارةً نكتبها ثم نمضي.

جبر الخاطر أن ترى وجعًا فتشعر به، ثم تستطيع أن تفعل شيئًا فلا تتأخر.

ومن هذا الباب، ومن باب الوفاء لأهل الوفاء، لا بد أن نقف أولًا بكل احترام أمام أصحاب المبادرات الإنسانية…

أمام كل شابٍ وفتاة، وكل رجلٍ وامرأة، وكل فردٍ ومؤسسة، رأوا حاجة إنسانٍ فلم يكتفوا بالكلام.

إلى كل من أطعم جائعًا، وكسا محتاجًا، وسدّ حاجة أسرة، وفرّج كربة، وساعد طالبًا، ووقف إلى جانب مريض، أو دلّ على محتاج، أو جمع أهل الخير على بابٍ من أبواب الرحمة…

من القلب: شكرًا لكم.

شكرًا لأنكم لم تتركوا الخير مجرد فكرة.

شكرًا لأنكم حوّلتم الرحمة إلى عمل.

وشكرًا لأنكم حين رأيتم وجعًا، لم يكن أول سؤالكم:

«من المسؤول؟»

بل كان سؤالكم:

«ماذا أستطيع أن أفعل؟»

أسأل الله أن يجزيكم عن كل إنسانٍ أسعدتموه خير الجزاء، وأن يجعل كل لقمةٍ أطعمتموها، وكل كسوةٍ قدمتموها، وكل كربةٍ فرّجتموها، وكل دمعةٍ مسحتموها، شاهدًا لكم لا عليكم.

وأن يجبر الله خواطركم كما جبرتم خواطر عباده.

ثم إن للرسالة بابًا آخر…

بابًا أتوجه فيه إلى أصحاب الأموال وأهل الخير، وكل من وسّع الله عليه في رزقه.

يا من أعطاكم الله قدرةً على العطاء…

لا تنظروا إلى ما في أيديكم على أنه ملكٌ لكم وحدكم؛ فانظروا كم من باب خيرٍ يمكن أن يُفتح من خلالكم.

قال الله تعالى:

﴿وَمَا تُقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُم مِّنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِندَ اللَّهِ﴾.

فما تقدمه اليوم قد يختفي من يدك، لكنه لا يختفي عند الله.

وقد قال النبي ﷺ:

«والله في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه».

فإذا استطعت أن تكون سببًا في فرج إنسان، فاغتنمها…

فأنت لا تنقص مالك حين تجبر خاطرًا، وإنما تزرع لنفسك أثرًا قد تلقاه يومًا وأنت أحوج ما تكون إلى الأثر.

وليس الخير حكرًا على أصحاب الثروات الكبيرة…

فالخير أوسع من المال.

إلى صاحب محل الخضروات…

ربما تستطيع أن تجعل في كل يومٍ سلةً لأسرة متعففة.

إلى صاحب محل الملابس…

ربما تستطيع أن تكسو طفلًا أو أسرةً لا تستطيع أن تشتري حاجتها.

إلى أصحاب المولات والمتاجر والمطاعم والصيدليات وسائر أصحاب المهن…

اجعلوا في تجارتكم نصيبًا للرحمة.

ليس المطلوب المستحيل، ولا أن يحمل أحدٌ فوق طاقته…

لكن شيئًا يسيرًا عندكم، قد يكون سترًا كبيرًا عند إنسانٍ ينتظر.

وهنا يأتي دور شبابنا وبناتنا الأعزاء…

يا من تملكون الطاقة، والفكرة، والحماس، والقدرة على الوصول إلى الناس…

لا تنتظروا أن يأتي الخير إليكم… كونوا أنتم طريقه.

اجمعوا أهل الخير.

تواصلوا مع أصحاب المحلات.

نظّموا المبادرات.

ابحثوا عن الأسر المتعففة.

دلّوا القادر على المحتاج.

لكن افعلوا كل ذلك بوعيٍ ورحمةٍ وستر…

لأن المحتاج الذي نمد له أيدينا ليس مشروع تصوير، وليس رقمًا في حملة، وليس مادةً لجمع المشاهدات.

هو إنسان له كرامته.

نريد أن نطعمه، لا أن نكشفه.

نريد أن نكسوه، لا أن نجرّده من كرامته.

نريد أن نجبره، لا أن نذكّره بانكساره.

وإذا كان نشر المبادرة سيشجع غيرك على فعل الخير، فليكن نشرُك لأثر الخير، لا لوجع صاحبه.

صوّروا العطاء إن كان في ذلك تحفيزٌ للناس، ولكن لا تجعلوا حاجة إنسانٍ ثمنًا لصورة.

فالخير الذي يحفظ وجه المحتاج، أجمل من خيرٍ يكشفه أمام الناس.

قال الله تعالى:

﴿وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ﴾.

تأملوا…

«ولو كان بهم خصاصة»

يعني أن العطاء ليس دائمًا من فائض المال، بل قد يخرج أحيانًا من قلبٍ يعرف معنى الحاجة، ومع ذلك يؤثر غيره.

وهنا تكمن عظمة الإنسان…

أن يعرف وجعه، ولا ينسى وجع غيره.

أيها الأحبة…

ربما لا نستطيع أن نغيّر حياة الجميع، ولكننا نستطيع أن نغيّر يوم إنسان.

نستطيع أن نجعل طفلًا يبتسم.

نستطيع أن نعيد إلى أمٍّ شيئًا من الطمأنينة.

نستطيع أن نقول لأبٍ أثقلته الحياة:

لست وحدك.

وأحيانًا…

تكون هذه الكلمات، حين تأتي معها يدٌ صادقة، أثقل في قلب الإنسان من أموالٍ كثيرة.

فلا تؤجلوا الخير.

لا تقولوا: غدًا.

فكم من حاجةٍ كان فرجها قريبًا، لكن صاحب القدرة قال: «ليس الآن».

إن استطعت اليوم، فأعطِ اليوم.

إن استطعت أن تفرّج كربة، ففرّجها اليوم.

إن استطعت أن تستر محتاجًا، فاستره اليوم.

وإن لم تملك المال، فكن سببًا في وصوله إلى من يحتاجه.

فالدال على الخير كفاعله.

وتذكروا…

أننا جميعًا عابرون.

سيبقى من تجارتنا ما جعلناه بابًا للخير، ومن أموالنا ما قدمناه، ومن أيامنا ما تركناه في قلوب الناس.

فطوبى لمن مرّ في هذه الدنيا…

فكان جابرًا لا كاسرًا، ساترًا لا فاضحًا، رحيمًا لا قاسيًا، ودالًا على الخير لا متفرجًا عليه.

اللهم يا جابر المنكسرين، اجبر كل قلبٍ أنهكته الحياة، وأغنِ كل فقير، واشفِ كل مريض، واقضِ دين كل مدين، وأطعم كل جائع، واكسُ كل محتاج.

اللهم بارك في أصحاب المبادرات الإنسانية، وأهل الخير، وأصحاب الأموال والتجار، وفي شبابنا وبناتنا الذين جعلوا من وقتهم وجهدهم طريقًا لخدمة الناس.

اللهم اجعلهم مفاتيح للخير، مغاليق للشر، واجبر خواطرهم كما جبروا خواطر عبادك، واكتب لهم أجر كل فرحةٍ صنعوها، وكل كربةٍ فرّجوها، وكل محتاجٍ أعانوه.

وفي النهاية…

لا تسأل نفسك فقط:

«ماذا أملك لأعطي؟»

بل اسأل نفسك:

«من الذي أستطيع أن أجبر خاطره بما أملك؟»

فقد لا تملك الكثير…

لكن ربما تملك شيئًا ينتظره قلبٌ مكسور منذ زمن.

فلا تؤجل الخير…

فلعلّ جبرك اليوم، يكون فرجك غدًا.