رئيس اتحاد الوطن العربي الدولي يتحدث عن تفسير قوله تعالى: ﴿وَمِن شَرِّ غَاسِقٍ إِذَا وَقَبَ﴾

رئيس اتحاد الوطن العربي الدولي يتحدث عن تفسير قوله تعالى: ﴿وَمِن شَرِّ غَاسِقٍ إِذَا وَقَبَ﴾

بقلم \ المفكر العربي الدكتور خالد محمود عبد القوي عبد اللطيف

مؤسس ورئيس اتحاد الوطن العربى الدولى

رئيس الإتحاد العالمي للعلماء والباحثين

الآية من سورة الفلق، وهي من الآيات التي يمكن قراءتها قراءةً ظاهرية وإشارية في آن واحد. وابن عربي لا يقف عند معنى الليل بوصفه ظاهرة كونية، بل يبحث كذلك في الدلالة الروحية والرمزية للغسق والوقوب والشر.

🔹 أولًا: المعنى الظاهر

الغاسق هو الليل إذا أظلم، ووقب أي دخل ظلامه وتغلغل وانتشر. فيكون المعنى الظاهر:

الاستعاذة بالله من الشرور التي قد تظهر أو تنشط عندما يحل الظلام.

وهذا المعنى لا ينفيه ابن عربي، لكنه يفتح منه بابًا إلى المعنى الباطني.

🔹 ثانيًا: الغاسق بوصفه رمزًا للظلمة

في القراءة الإشارية عند ابن عربي، يمكن أن يصبح الليل رمزًا للظلمة المعنوية: ظلمة الجهل، والغفلة، والحجاب عن الحقيقة.

فالإنسان لا يخاف فقط من ظلمة الخارج، وإنما من ظلمة الداخل حين تغيب أنوار المعرفة والبصيرة.

ولهذا يمكن فهم الآية على مستوى روحي هكذا:

﴿غَاسِقٍ﴾ = ظلمة تحجب،

﴿إِذَا وَقَبَ﴾ = إذا دخلت وتمكنت واستقرت.

فالخطر ليس في وجود الظلمة فحسب، وإنما في أن تتغلغل الظلمة في القلب حتى تحجبه عن النور.

🔹 ثالثًا: ما معنى «وقب» في هذه القراءة؟

كلمة «وقب» شديدة الأهمية؛ لأنها لا تعني مجرد حلول الظلام، وإنما تفيد الدخول والنفوذ.

ومن هنا تصبح الصورة الصوفية أكثر عمقًا:

الشر قد يبدأ من الخارج، لكنه يصبح أخطر حين يجد له منفذًا إلى الداخل.

فالخوف ليس من الليل في ذاته، وإنما من أن يتحول الليل الخارجي إلى ليل داخلي.

🔹 رابعًا: النور والظلمة في التصور الصوفي

عند ابن عربي، الوجود الإنساني مرتبط بمسألة التجلي والحجاب. فالحق في ذاته نور، لكن الإنسان قد يحجب نفسه عن إدراكه بسبب أوهامه وغفلته وتعلقه بالأشكال والظواهر.

وبهذا يمكن قراءة سورة الفلق باعتبارها حركة من:

الاستعاذة من الشر → إلى طلب الحماية → إلى النور الإلهي.

ولهذا تبدأ السورة:

﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ﴾

والفلق نفسه يحمل صورة انشقاق الظلمة عن النور؛ ثم تأتي الاستعاذة من شر الغاسق عندما «يقب»، أي عندما يعود الظلام فيغطي الأشياء.

🔹 خامسًا: المفارقة الصوفية

وهنا تظهر مفارقة جميلة في القراءة العرفانية:

الفلق = ظهور النور بعد انشقاق الظلمة.

الغاسق = عودة الظلمة واستيلاؤها.

فالإنسان في تجربته الروحية قد يعيش لحظات من الكشف والبصيرة، ثم تعود إليه الغفلة والحجاب.

ومن ثم يصبح الدعاء:

يا رب، احفظني من الظلمة حين تدخلني، لا من الظلمة حين تحيط بي فقط.

🔷 الخلاصة

يمكن تلخيص الدلالة الإشارية في عبارة واحدة:

الغاسق عند القراءة الصوفية ليس مجرد ليلٍ يهبط على العالم، بل يمكن أن يكون رمزًا للظلمة حين تنفذ إلى القلب فتحجبه عن نور المعرفة؛ ولذلك فالاستعاذة الحقيقية ليست فقط من شرّ الليل، وإنما من كل ظلمة تستقر في الإنسان وتفصله عن الحقيقة.

وهذا ينسجم مع الطريقة التي يقرأ بها ابن عربي النص القرآني: لا إلغاء للمعنى الظاهر، وإنما انتقال منه إلى طبقات أعمق من الدلالة الروحية.

القرآني: لا إلغاء للمعنى الظاهر، وإنما انتقال منه إلى طبقات أعمق من الدلالة الروحية.