رئيس اتحاد الوطن العربي الدولي يتحدث عن كيف نستفيد من الحضارة الحديثة دون التفريط في الهوية الإسلامية

رئيس اتحاد الوطن العربي الدولي يتحدث عن كيف نستفيد من الحضارة الحديثة دون التفريط في الهوية الإسلامية

بقلم \ المفكر العربي الدكتور خالد محمود عبد القوي عبد اللطيف

مؤسس ورئيس اتحاد الوطن العربى الدولى

رئيس الإتحاد العالمي للعلماء والباحثين

كيف نستفيد من الحضارة الحديثة دون التفريط في الهوية الإسلامية؟

إن الإسلام قد جاء ليهدي البشرية إلى طريق الله المستقيم، ويخرجها من ظلمات الجاهلية إلى نور الحضارة والإنسانية.

وسؤالكم عن مدى إمكانية الاقتباس من الحضارات الأخرى

وكيف نوازن بين الأصالة والعصرية ، وكيف نحافظ على القيم الإسلامية ونحافظ على تلبية متطلبات العصر وإلى أي مدى يمكننا أن نستفيد ونقتبس من معطيات الحضارة المعاصرة دون التفريط في هويتنا الإسلامية؟ كل هذا يدعونا إلى التأمل في كيفية تعامل الإسلام مع الحضارات التي سبقته أو جاورته. فالإسلام، منذ بداياته، لم يرفض العلوم النافعة أو المعارف المجدية، بل شجع على طلب العلم من أي مصدر كان. قال الله تعالى: {وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا}، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: “الحكمة ضالة المؤمن، أنى وجدها فهو أحق بها”.

إلى أي مدى يمكننا أن نستفيد من معطيات الحضارة المعاصرة في ظل الشريعة الإسلامية؟

يمكن الاستفادة من الحضارة المعاصرة بما يتوافق مع تعاليم الشريعة الإسلامية، إذ يُشجّع الإسلام على الانتفاع بكل ما هو نافع ومفيد للإنسانية. ولقد كانت الحضارة الإسلامية عبر التاريخ نموذجًا للتفاعل والانفتاح على الثقافات الأخرى، حيث استوعبت معارف الأمم المختلفة وأدمجتها ضمن إطارها الحضاري. ويجب أن يكون الاقتباس من الحضارة المعاصرة متوازنًا، بحيث يُحافظ على الأصالة الإسلامية من جهة، ويُلبي حاجات العصر من جهة أخرى. لذا، فإن الاستفادة يجب أن تكون مستندة إلى فكر إسلامي أصيل يأخذ بعين الاعتبار التحديات الحديثة ويحترم المبادئ الشرعية.

لقد كان رجال التربية والتعليم في اليابان يقظين وحذرين عندما تواصلت بلادهم مع أوروبا في القرن الماضي. أو لنقل: كان حماة التراث والتقاليد يقظين حين قررت اليابان الاستفادة من التفوق الصناعي الغربي. فقد أعدوا لكل ما اقتبسوه من جديد مكانه المناسب على أرضهم، وحددوا المساحة المادية والمعنوية التي لا يتجاوزها هذا الجديد. كما راقبوا بعين حادة الآثار المترتبة على هذه الاقتباسات، حتى لا تفلت الأمور من أيديهم أو تنحرف عن الخطط التي رسموها بدقة.

وباتباعهم لهذا المنهج الصارم، استطاعوا الحفاظ على شخصيتهم القومية دون تغيير في ملامحها أو سماتها. وهكذا انتقلت الصناعات الغربية إلى اليابان، لكن اليابانيين لم يتحولوا إلى أوربيين في عقائدهم أو لغتهم أو آدابهم وأخلاقهم. بل كانوا قادرين على الأخذ والتقدم دون أن ينفعلوا بما حولهم أو يخضعوا للثقافات الأخرى. لقد قادوا بأنفسهم التطور بدلاً من أن ينقادوا له.

ومن الجدير بالذكر أن هناك أديانًا مختلفة في اليابان، كالبوذية والشنتوية، وقد فرض لون من التعايش السلمي نفسه بين أتباع هذه الأديان المختلفة.

وهكذا تمكن اليابانيون، دون حساسيات دينية، من العمل معًا لنهضة بلادهم وتحقيق تطلعاتهم، فنجحوا في تحقيق ما أرادوا.

إن النجاح الحقيقي يرتكز على أساس ثابت لا يتغير، وهو النفس الإنسانية.

وإذا استقرت هذه النفس على أسس سليمة، لم يعد هناك ما يمكن أن يعيق النجاح.

وقد كان محمد صلى الله عليه وسلم أعلم الناس بهذه الحقيقة، ولذلك وجه جهوده كلها إلى بناء الإنسان من الداخل أولًا، لضبطه وتوجيهه في المسار الصحيح.

وكان يعلم أن هذا الإنسان المستقيم سيؤثر في بيئته يومًا ما عندما تزول العوائق.

ولم يسعَ صلى الله عليه وسلم إلى الاصطدام بالمظاهر الخارجية قبل استكمال بناء النفس من الداخل.

فقد ترك الأصنام حول الكعبة قائمة لمدة عشرين سنة، ولم يحاول هدمها في مواجهة غير محسوبة.

بل تشير سيرته النبوية إلى أنه طاف بالكعبة في عمرة السنة السابعة والأصنام ما زالت جاثمة حولها.

أكان ذلك إبقاءً عليها أو احترامًا لها؟ كلا، بل كان يعلم أن نهايتها قريبة لا محالة، وأنها ستتحطم قريبًا على يد الرجال الذين تربوا على التوحيد الحق.

لقد أدرك هؤلاء الرجال أن هذه الأصنام أضعف من أن تصمد أمام أبسط مخلوق، كالذباب، كما قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا لَهُ إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ لَن يَخْلُقُوا ذُبَابًا وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ وَإِن يَسْلُبْهُمُ الذُّبَابُ شَيْئًا لَّا يَسْتَنكِذُوهُ مِنْهُ ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ﴾.

وهكذا، ترك محمد صلى الله عليه وسلم تدمير الأصنام إلى أن يحين الوقت المناسب، واهتم ببناء النفوس وتربيتها. لأن النفوس السليمة هي التي تملك القدرة على مواجهة التحديات وإحداث التغيير الجذري.

لقد عاش بنو إسرائيل تحت حكم الفراعنة مئات السنين، وكانوا يعانون من ظلم واضطهاد، حتى بعث الله موسى عليه السلام ليخلصهم من تلك المحنة. قال تعالى: {وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ}.

وقد مرت سنوات طويلة قبل أن ينالوا حرية واستقلالًا كاملاً، وهذا دليل على أن التحولات الحضارية الكبرى لا تحدث بين عشية وضحاها، بل تتطلب صبراً واستقامة.

والإسلام نفسه كان مشروعًا حضاريًا ربانيًا، أخذ بيد العرب من الجاهلية والتخلف إلى قيادة العالم في شتى مجالات الحياة.

كان تأثيره الفكري والروحي أعمق وأبقى من فتوحاته العسكرية. لقد كانت قيادة العرب في ظل الإسلام بركة على البشرية، حيث نشرت العدالة والرحمة والعلم، وأزاحت القيادات الظالمة التي كانت ترزح تحتها الأمم في ظل الفرس والروم.

لكن اليوم، نرى أن العرب في كثير من الأحيان قد تخلوا عن دورهم الريادي في نشر القيم الإسلامية السامية، وبدلًا من ذلك، تمسكوا ببعض العادات الجاهلية التي تتعارض مع روح الإسلام. ومن أبرز هذه العادات مسألة التفاخر بالأنساب والتفرقة بين الناس على أساس القبيلة أو العائلة، وهو ما جاء الإسلام للقضاء عليه. يقول الله تعالى: {إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ}.

والواقع أن هناك العديد من القضايا الاجتماعية التي تحتاج إلى إصلاح جذري في مجتمعاتنا، مثل غلاء المهور، وتيسير الزواج، وتحقيق العدالة بين الناس، وهي أمور حيوية لاستقامة المجتمعات، ولا يجوز تجاهلها أو التغاضي عنها.

وفيما يتعلق بالجانب الأخلاقي، نجد أن الإسلام قد جعل تزكية النفس هي الأساس الأول لتكوين الفرد الصالح والمجتمع الراقي. قال الله تعالى: {قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا}. ولكننا نرى اليوم أن الكثير من الناس يؤدون العبادات، ولكن لا ينعكس ذلك على أخلاقهم وسلوكهم، حيث تغلب الأنانية وحب الذات على كثير من النفوس. وهذا يدل على الحاجة الملحة لتجديد الفهم الصحيح للدين وتطبيقه في الواقع الحياتي.

أما فيما يتعلق بالاقتباس من الحضارات الأخرى، فإن الإسلام لا يرفض الاستفادة من تجارب الأمم الناجحة، بشرط أن تكون متوافقة مع مبادئ الشريعة وقيمها الأخلاقية. وقد رأينا كيف استطاع اليابانيون الاستفادة من الحضارة الغربية دون التخلي عن هويتهم وثقافتهم. فهل نحن أقدر على التوفيق بين حضارتنا الإسلامية الأصيلة ومتطلبات العصر الحديث؟

إن النهوض بأمتنا لا يتطلب فقط التقدم في المجال الصناعي والتكنولوجي، بل يحتاج إلى إصلاحات جذرية في النواحي الاجتماعية والأخلاقية، وإلى تعزيز القيم الإسلامية التي تقوم على العدالة، والتكافل، والزهد، والإيثار. هذه هي الأسس التي قام عليها الإسلام، والتي كانت سببًا في ازدهار الحضارة الإسلامية في العصور الذهبية.

نسأل الله أن يعيننا على تحقيق التوازن بين ديننا ودنيانا، وأن يوفقنا لاستعادة مجدنا الحضاري وفق منهج الله القويم.