
رئيس اتحاد الوطن العربي الدولي يتحدث عن وصف أولاد يعقوب -عليه السلام- أباهم بأنه في ضلال مبين
بقلم \ المفكر العربي الدكتور خالد محمود عبد القوي عبد اللطيف
مؤسس ورئيس اتحاد الوطن العربى الدولى
رئيس الإتحاد العالمي للعلماء والباحثين
كيف وصف أولاد يعقوب -عليه السلام- أباهم بأنه في ضلال مبين كما جاء في قوله تعالى”إن أبانا لفي ضلال مبين”؟
السؤال :
كيف وصف أولاد يعقوب -عليهم السلام- أباهم بأنه في ضلال مبين في الآية الكريمة، وما المعنى الصحيح لهذا الوصف؟
الجواب ![]()
الحمدُ لله، والصلاةُ والسلامُ على رسولِ الله، أمَّا بعدُ.
قول إخوة يوسف -عليهم السلام-: ﴿إِنَّ أَبَانَا لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾ [يوسف: ٨]، هو قول صدر عن غيرة وحسد، ولم يقصدوا به الكفر أو الطعن في دين أبيهم، بل قصدوا الطعن في تدبيره وتقديره للأمور الدنيوية.
أولاً: حقيقة المسألة والموقف منها
● قال تعالى: ﴿إِذْ قَالُوا لَيُوسُفُ وَأَخُوهُ أَحَبُّ إِلَى أَبِينَا مِنَّا وَنَحْنُ عُصْبَةٌ إِنَّ أَبَانَا لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (٨)﴾ [يوسف، رقم: ٨].
● معنى الضلال لغة: الخروج عن الطريق والانحراف عن الجادة، وهو ضد الرشد والهدى.
● معنى “المبين”: البين الواضح الظاهر، أي خطأ بيِّن في نظرهم.
ثانياً: أقوال المفسرين في تأويل العبارة (عرض الآراء ودليل كل رأي)
● الرأي الأول (قول جمهور المفسرين): المراد بالضلال هاهنا الخطأ في التدبير ورؤية المصالح الدنيوية، لا الكفر أو الشرك.
• دليل هذا الرأي:
· قال الإمام الطبري -رحمه الله-: “يعنون: إن أبانا يعقوب لفي خطأ من فعله، في إيثاره يوسف وأخاه من أمه علينا بالمحبة، ويعني بـ “المبين”: أنه خطأ يبين عن نفسه أنه خطأ لمن تأمله ونظر إليه”.
· قال القرطبي -رحمه الله-: “لم يريدوا بقولهم ﴿إِنَّ أَبَانَا لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾ الضلال في الدين، إذ لو أرادوه لكانوا كفاراً، بل أرادوا: إن أبانا لفي ذهاب عن وجه التدبير في إيثاره اثنين على عشرة”.
· قال البغوي -رحمه الله-: “أي خطأ بين في إيثاره يوسف وأخاه علينا، وليس المراد من الضلال عن الدين، ولو أرادوه لكفروا به، بل المراد منه: الخطأ في تدبير أمر الدنيا”.
● الرأي الثاني (رأي المخالف – إن وُجد): لا يوجد رأي مخالف معتبر من المفسرين، بل هو إجماع منهم على أن المراد الخطأ في التدبير، وأنه لو كان المراد الضلال في الدين لكفروا بذلك، وحاشا يعقوب -عليه السلام- أن يكون كذلك.
• الرد على من يتوهم أن فيه طعناً في النبوة: يردّ بأن السياق القرآني يحمل اللفظة على الخطأ في التدبير، بدليل أن يعقوب -عليه السلام- كان على الحق، وبيّن الله حكمته في تفضيل يوسف، وظهر صدق رؤياه بعد ذلك.
ثالثاً: أسباب هذا الوصف الخاطئ من الإخوة
● الحسد والغيرة: عميت أبصار قلوبهم عن رؤية مناقب يوسف، حتى قالوا ما قالوا.
● الاعتداد بالنفس والكثرة العددية: قالوا: ﴿وَنَحْنُ عُصْبَةٌ﴾، أي جماعة قوية كثيرة، فاستبعدوا أن يُفضَّل عليهم صبيان صغيران.
● الجهل بحكمة الله واختياره: لم يعلموا أن الله اصطفى يوسف بالنبوة، وأن محبة يعقوب له ليست مجرد محبة أبوية عادية.
قال تعالى: ﴿وَكَذَٰلِكَ يَجْتَبِيكَ رَبُّكَ وَيُعَلِّمُكَ مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ وَيُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَعَلَىٰ آلِ يَعْقُوبَ كَمَا أَتَمَّهَا عَلَىٰ أَبَوَيْكَ مِنْ قَبْلُ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ إِنَّ رَبَّكَ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (٦)﴾ [يوسف، رقم: ٦].
رابعاً: الفروق بين الضلال في الدين والضلال في التدبير (الضوابط)
● الضلال في الدين: الخروج عن جادة الإيمان والتوحيد، والوقوع في الشرك والكفر، وهذا لا يليق بمسلم فضلاً عن نبي.
• قال تعالى عن قوم نوح: ﴿قَالُوا أَجِئْتَنَا لِنَعْبُدَ اللَّهَ وَحْدَهُ وَنَذَرَ مَا كَانَ يَعْبُدُ آبَاؤُنَا فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ (٧٠) قَالَ قَدْ وَقَعَ عَلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ رِجْسٌ وَغَضَبٌ أَتُجَادِلُونَنِي فِي أَسْمَاءٍ سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ مَا نَزَّلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ فَانْتَظِرُوا إِنِّي مَعَكُمْ مِنَ الْمُنْتَظِرِينَ (٧١)﴾ [الأعراف، رقم: ٧٠-٧١].
● الضلال في التدبير: الخطأ في الرأي أو التقدير في الأمور الدنيوية المتعلقة بالمعاش أو المعاملة، دون أن يمس ذلك جوهر العقيدة أو الدين.
خامساً: الأدب النبوي في التعامل مع الآباء (ضوابط أخلاقية)
● الأمر الإلهي بالإحسان إلى الوالدين: قال تعالى: ﴿وَقَضَىٰ رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلَاهُمَا فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا وَقُلْ لَهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا (٢٣)﴾ [الإسراء، رقم: ٢٣].
● صبر يعقوب -عليه السلام- وحلمه: قال تعالى: ﴿بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ أَمْرًا فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ (١٨)﴾ [يوسف، رقم: ١٨].
● الندم والاعتراف بالخطأ: قالوا بعد سنين: ﴿يَا أَبَانَا اسْتَغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا إِنَّا كُنَّا خَاطِئِينَ (٩٧)﴾ [يوسف، رقم: ٩٧].
سادساً: الحكمة من وقوع هذا من إخوة يوسف
أن على الإنسان العاقل
● التسليم بحكمة الله: مهما بدا لنا أن تصرفات أولياء الله فيها شيء من الغموض، فإن الظن يجب أن ينعقد بالخير.
● اداك خطورة الحسد: قال النبي -صلى الله عليه وسلم- محذراً: “إِيَّاكُمْ وَالْحَسَدَ، فَإِنَّ الْحَسَدَ يَأْكُلُ الْحَسَنَاتِ كَمَا تَأْكُلُ النَّارُ الْحَطَبَ”. <خرجه أبو داود، رقم: 4903، وابن ماجه، رقم: 4210، وصححه الألباني في صحيح الجامع، رقم: 2566>.
● العاقبة للمتقين: قال تعالى: ﴿وَكَذَٰلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الْأَرْضِ يَتَبَوَّأُ مِنْهَا حَيْثُ يَشَاءُ نُصِيبُ بِرَحْمَتِنَا مَنْ نَشَاءُ وَلَا نُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ (٥٦)﴾ [يوسف، رقم: ٥٦].
الخاتمة
الخلاصة أن قول إخوة يوسف ليعقوب: ﴿إِنَّ أَبَانَا لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾، محمول على الخطأ في التدبير الدنيوي، لا الطعن في الدين أو النبوة، وهذا إجماع من المفسرين. وفيه عبر عظيمة في حسن الظن بالآباء، والتحذير من الحسد، والتسليم بحكمة الله، والتوبة والرجوع إلى الله. نسأل الله أن يهدينا سواء السبيل

