
رئيس اتحاد الوطن العربي الدولي يتحدث عن قضية العرب مع الحرب والسلام
بقلم / المفكر العربي الدكتور خالد محمود عبد القوي عبد اللطيف
مؤسس ورئيس اتحاد الوطن العربي الدولي
رئيس الإتحاد العالمي للعلماء والباحثين
قضية العرب مع الحرب والسلام
من حرب فلسطين إلى صراع الإقليم 1948–2026
منذ عام 1948، لم تكن الحرب والسلام بالنسبة إلى العرب مجرد خيارين في السياسة الخارجية، وإنما كانا جزءًا من سؤال أكبر يتعلق بالأمن العربي، وبمكانة العرب في النظام الإقليمي والدولي، وبقدرتهم على حماية مصالحهم وصناعة مستقبلهم.
فعلى امتداد ما يقرب من ثمانية عقود، انتقلت المنطقة من حروب الجيوش النظامية إلى حروب الاستنزاف، ومن الحروب إلى المفاوضات ومعاهدات السلام، ثم إلى الحروب العربية-العربية، والحروب داخل الدول، والحروب بالوكالة، وصولًا إلى صراعات إقليمية مركبة تتداخل فيها الجغرافيا والطاقة والممرات البحرية والتكنولوجيا والقوى الدولية.
ومع ذلك ظل السؤال الأساسي قائمًا:
لماذا لم يتحول هذا التاريخ الطويل من الحرب والتفاوض والتسويات إلى نظام إقليمي عربي مستقر وقادر على حماية السلام؟
قد تبدو الإجابة للوهلة الأولى أن المشكلة كانت في اختيار العرب للحرب أحيانًا، وللسلام أحيانًا أخرى.
لكن القراءة الأعمق للتجربة بين 1948 و2026 تقود إلى نتيجة مختلفة.
فالمشكلة لم تكن في الحرب باعتبارها حربًا، ولا في السلام باعتباره سلامًا؛ وإنما في عدم الربط بصورة مستدامة بين القوة والهدف السياسي، وبين التفاوض والتسوية، وبين السلام والقدرة على حمايته.
ومن هنا يصبح السؤال الحقيقي:
كيف يستطيع العرب أن يجعلوا القوة وسيلة للردع، والردع وسيلة لمنع الحرب، والدبلوماسية وسيلة لصناعة السلام، والسلام وسيلة لبناء الاستقرار؟
1948: بداية القضية
كانت حرب فلسطين عام 1948 نقطة تأسيسية في النظام الإقليمي العربي الحديث.
فبعد انتهاء الانتداب البريطاني وإعلان قيام إسرائيل، اندلعت الحرب بين إسرائيل وعدد من الدول العربية المجاورة، وانتهت باتفاقيات الهدنة عام 1949 دون حل القضية الفلسطينية. وتوسعت إسرائيل خلال الحرب إلى نحو 77% من مساحة فلسطين الانتدابية، بينما أصبحت بقية المناطق تحت إدارة مصر والأردن قبل أن تحتل إسرائيل الضفة الغربية والقدس الشرقية وقطاع غزة عام 1967.
ومنذ تلك اللحظة أصبحت فلسطين قضية تتجاوز حدودها الجغرافية، وأصبحت مرتبطة بالأمن العربي وبالتوازن الإقليمي وبالعلاقات الدولية.
لكن حرب 1948 كشفت مبكرًا عن معضلة ستتكرر لاحقًا:
امتلاك القدرة على خوض الحرب لا يعني بالضرورة امتلاك استراتيجية سياسية لما بعد الحرب.
كانت هناك جيوش، وكانت هناك مواجهة، لكن لم تتوافر استراتيجية عربية موحدة قادرة على تحويل نتيجة الحرب إلى تسوية سياسية نهائية.
وهكذا بدأ التناقض الذي سيطبع التاريخ العربي الحديث:
القوة العسكرية موجودة، لكن تحويل القوة إلى نتيجة سياسية مستدامة أكثر صعوبة.
1956: السويس ومعنى القوة المركبة
جاءت أزمة السويس عام 1956 لتضيف بُعدًا جديدًا إلى مفهوم القوة.
فالقضية لم تعد فلسطين وحدها، بل أصبحت مرتبطة بالسيادة المصرية، وقناة السويس، والاستعمار، والتوازن الدولي.
وكشفت التجربة أن القوة لا تقاس بالقدرة العسكرية وحدها.
فالموقع الجغرافي، والسيادة، والشرعية السياسية، والاقتصاد، والدبلوماسية، والقدرة على التأثير الدولي، يمكن أن تتحول جميعها إلى عناصر قوة استراتيجية.
وهنا ظهر درس مهم:
الدولة لا تحتاج دائمًا إلى امتلاك أكبر قوة عسكرية لكي تحقق نتيجة استراتيجية؛ بل تحتاج إلى القدرة على توظيف عناصر قوتها المختلفة في اتجاه هدف سياسي واضح.
وهذه قاعدة ستظل صالحة لفهم العديد من التحولات العربية اللاحقة.
1967: لحظة الانكسار والتحول
كانت حرب يونيو 1967 نقطة تحول كبرى.
فقدت مصر سيناء، وفقد الأردن الضفة الغربية والقدس الشرقية، واحتلت إسرائيل الجولان السوري، كما أصبح قطاع غزة تحت الاحتلال الإسرائيلي.
وتشير الأمم المتحدة إلى أن حرب 1967 أدت كذلك إلى نزوح فلسطيني واسع جديد، وأن القرار 242 وضع مبادئ لسلام عادل ودائم، بما في ذلك الانسحاب الإسرائيلي من الأراضي التي احتلت في النزاع وتسوية مشكلة اللاجئين وإنهاء حالة الحرب.
ومنذ ذلك الوقت تغير السؤال العربي.
لم يعد السؤال الأساسي:
كيف نمنع قيام إسرائيل؟
بل أصبح:
كيف نستعيد الأراضي العربية المحتلة؟
وهنا انتقل الصراع تدريجيًا من منطق الحرب المفتوحة إلى منطق استخدام القوة لتحسين شروط التسوية.
حرب الاستنزاف: إعادة بناء القدرة والردع
جاءت حرب الاستنزاف في أعقاب 1967 في سياق إعادة بناء القدرة المصرية وإعادة تشكيل ميزان الردع.
وكانت أهميتها تتجاوز حجم المعارك نفسها؛ فقد مثلت محاولة لإثبات أن الاحتلال ليس وضعًا مجانيًا ولا مستقرًا إلى الأبد.
وهنا تظهر قاعدة استراتيجية:
قد تكون الحرب المحدودة وسيلة لإعادة بناء الردع وتحسين شروط التفاوض، وليس بالضرورة هدفًا في ذاتها.
وهو ما أصبح أكثر وضوحًا في حرب أكتوبر.
1973: عندما أصبحت الحرب طريقًا إلى التفاوض
تمثل حرب أكتوبر 1973 واحدة من أهم المحطات في العلاقة العربية بين الحرب والسلام.
فالحرب لم تستعد جميع الأراضي المحتلة بالقوة العسكرية المباشرة، لكنها غيرت المعادلة الاستراتيجية والسياسية، وأعادت تشكيل شروط التفاوض.
وبعد الحرب صدر القرار 338، الذي دعا إلى وقف إطلاق النار وتنفيذ القرار 242 وبدء المفاوضات بهدف تحقيق سلام عادل ودائم. وتؤكد الأمم المتحدة أن حرب 1973 أعقبتها عملية تفاوضية استندت إلى القرارين 242 و338.
وهنا يظهر درس بالغ الأهمية:
قد يكون الانتصار الاستراتيجي هو تغيير شروط التسوية، وليس تحقيق جميع الأهداف عسكريًا.
فالحرب الناجحة سياسيًا ليست بالضرورة الحرب التي تستمر حتى النهاية، وإنما قد تكون الحرب التي تجعل استمرار الوضع القائم أكثر تكلفة، وتجعل التفاوض أكثر فاعلية.
السلام المصري الإسرائيلي: نجاح ودرس عربي
جاءت اتفاقات كامب ديفيد عام 1978 ثم معاهدة السلام المصرية الإسرائيلية عام 1979.
وكانت استعادة سيناء بالنسبة إلى مصر هدفًا وطنيًا واستراتيجيًا مركزيًا.
وتكشف وثائق إطار كامب ديفيد أن الاتفاق لم يكن مجرد ترتيب أمني ثنائي، بل تحدث صراحة عن تسوية شاملة للصراع، وربط السلام بين مصر وإسرائيل بالعمل نحو سلام أوسع في المنطقة، كما تضمن ترتيبات أمنية ومراقبة وضمانات مختلفة.
ومن منظور المصلحة الوطنية المصرية، كان السلام تحولًا استراتيجيًا كبيرًا: استعادة الأرض وإنهاء حالة الحرب.
لكن التجربة طرحت سؤالًا عربيًا أوسع:
هل يستطيع السلام الثنائي أن يحل صراعًا إقليميًا متعدد الأطراف؟
وهنا يجب التمييز بين:
السلام الوطني
و
السلام الإقليمي.
فقد تنجح دولة في استعادة أرضها وتأمين حدودها، بينما تبقى القضية الفلسطينية وغيرها من قضايا الصراع الإقليمي دون حل.
ومن ثم فإن نجاح تسوية وطنية لا يعني بالضرورة اكتمال السلام الإقليمي.
من الصراع العربي الإسرائيلي إلى الصراعات داخل النظام العربي
في الثمانينيات والتسعينيات تغيرت خريطة الصراع.
فالحرب العراقية الإيرانية بين 1980 و1988، ثم غزو الكويت عام 1990 وحرب الخليج عام 1991، كشفت أن الأمن العربي لا يمكن اختزاله في الصراع العربي الإسرائيلي.
أصبح النظام العربي أمام مستويات متداخلة:
الصراع العربي الإسرائيلي، والصراعات العربية العربية، والصراعات العربية الإقليمية.
وهنا بدأت القضية تتحول من سؤال:
كيف نواجه التهديد الخارجي؟
إلى سؤال أكثر عمقًا:
كيف نحافظ على النظام العربي نفسه؟
مدريد وأوسلو: الفرق بين عملية السلام والسلام
بعد حرب الخليج، جاء مؤتمر مدريد عام 1991، وفتح مسارًا للمفاوضات العربية الإسرائيلية والمسار الفلسطيني.
وتوضح الأمم المتحدة أن مؤتمر مدريد قام على مسارين: المفاوضات بين إسرائيل والدول العربية، والمفاوضات بين إسرائيل والفلسطينيين، واستند إلى قراري مجلس الأمن 242 و338. ثم جاءت اتفاقات أوسلو عام 1993، لكنها أجلت قضايا الوضع النهائي إلى مفاوضات لاحقة لم تحسمها.
وهنا تكشفت مشكلة جوهرية:
عملية السلام ليست السلام.
يمكن أن تبدأ المفاوضات دون أن تصل إلى تسوية نهائية، ويمكن أن تستمر العملية السياسية سنوات بينما يبقى الصراع قائمًا على الأرض.
فالتفاوض وسيلة.
والتسوية نتيجة سياسية.
أما السلام الحقيقي فهو نظام مستقر قادر على الاستمرار.
مبادرة السلام العربية: من الرفض إلى تقديم البديل
كانت مبادرة السلام العربية التي أقرتها قمة بيروت عام 2002 تحولًا مهمًا في التفكير العربي.
فقد انتقل الموقف من مجرد المطالبة بالانسحاب وإنهاء الاحتلال إلى تقديم تصور عربي للسلام يقوم على تسوية شاملة.
وقد جاءت المبادرة في سياق تأكيد عربي على الربط بين إنهاء الاحتلال والوصول إلى سلام شامل وعلاقات طبيعية. كما أصبحت لاحقًا جزءًا من الإطار الأوسع لمبادرات التسوية القائمة على حل الدولتين.
وهذا يمثل تحولًا مهمًا:
لم يعد السلام مجرد نتيجة تنتظرها الدول بعد انتهاء الحرب؛ بل أصبح جزءًا من الرؤية العربية نفسها.
لكن المبادرة لم تتحول إلى تسوية نهائية.
وهنا يظهر درس آخر:
امتلاك الرؤية السياسية لا يكفي إذا لم توجد القدرة السياسية والاستراتيجية والمؤسسية على تحويلها إلى واقع.
2003: اختلال ميزان الإقليم
كان غزو العراق عام 2003 نقطة تحول كبرى في النظام الإقليمي.
فالعراق كان أحد أهم مراكز القوة العربية، وسقوط الدولة العراقية وما ترتب عليه أعاد تشكيل موازين القوى.
ومنذ ذلك الوقت أصبحت المنطقة أكثر تعقيدًا.
لم تعد المعادلة:
العرب وإسرائيل.
بل أصبحت شبكة تضم دولًا عربية وإسرائيل وإيران وتركيا والولايات المتحدة وروسيا، إلى جانب جماعات مسلحة وفاعلين من غير الدول.
وهكذا انتقل الصراع من نموذج تقليدي بين الدول إلى نظام إقليمي متعدد الأطراف ومراكز القوة.
2011: انتقال الحرب إلى داخل الدولة
جاءت أحداث 2011 لتفتح مرحلة أكثر خطورة.
في سوريا وليبيا واليمن، وفي صراعات عربية أخرى، أصبح العنف جزءًا من صراعات داخلية تداخلت معها تدخلات إقليمية ودولية وحروب بالوكالة.
وهنا تغير مفهوم الأمن العربي.
لم تعد حماية الدولة تعني فقط حماية حدودها من جيش أجنبي.
بل أصبحت تعني أيضًا:
حماية مؤسسات الدولة، ومنع تفككها، وحماية الاقتصاد والمجتمع والطاقة والغذاء والممرات الاستراتيجية.
وبذلك اتسع مفهوم الأمن من الأمن العسكري التقليدي إلى مفهوم أكثر شمولًا.
2023–2026: عودة فلسطين واتساع دائرة الصراع
أعادت حرب غزة التي بدأت في أكتوبر 2023 القضية الفلسطينية إلى مركز المشهد الإقليمي والدولي.
لكن تداعياتها تجاوزت غزة إلى لبنان والبحر الأحمر واليمن والعراق والخليج، وتداخلت مع التوترات الإسرائيلية الإيرانية والمصالح الأمريكية والدولية.
وفي سبتمبر 2026 أصبح هذا البعد أكثر وضوحًا؛ إذ امتد التصعيد إلى أمن الملاحة والطاقة في البحر الأحمر والخليج. وأفادت رويترز في 15 سبتمبر 2026 بأن هجمات الحوثيين على السعودية والتطورات حول باب المندب ومضيق هرمز زادت المخاطر على صادرات الطاقة والتجارة البحرية، بينما تعطلت جهود دبلوماسية إقليمية لخفض التوتر.
وهنا تظهر حقيقة جديدة:
الحرب الحديثة لا تحتاج بالضرورة إلى احتلال أرض عربية لكي تهدد الأمن العربي.
فالممرات البحرية، والطاقة، وسلاسل الإمداد، والبنية التحتية، والتكنولوجيا، أصبحت جميعها ساحات للصراع.
وتكتسب هذه الحقيقة أهمية خاصة بالنسبة إلى مصر، بحكم موقع قناة السويس والبحر الأحمر في منظومة التجارة والملاحة العالمية.
ماذا تقول لنا التجربة من 1948 إلى 2026؟
بعد قراءة المسار التاريخي كله، يمكن استخلاص ثمانية دروس رئيسية:
أولًا: الحرب وحدها لا تصنع الحل السياسي.
ثانيًا: السلام وحده لا يحل الصراع إذا لم يعالج جذوره.
ثالثًا: القوة ضرورية، لكنها ليست غاية في ذاتها.
رابعًا: الردع في كثير من الحالات أهم من الحرب.
خامسًا: السلام الوطني لا يساوي بالضرورة السلام الإقليمي.
سادسًا: القضية الفلسطينية بقيت عاملًا مركزيًا في استقرار النظام الإقليمي.
سابعًا: ضعف العمل العربي المشترك سمح بتزايد أدوار القوى الإقليمية والدولية.
ثامنًا: الحرب الحديثة أصبحت عسكرية واقتصادية وجغرافية وتكنولوجية في الوقت نفسه.
أين تكمن المعضلة العربية؟
من الخطأ القول إن العرب أخطأوا لأنهم حاربوا.
ومن الخطأ أيضًا القول إنهم أخطأوا لأنهم سعوا إلى السلام.
الأدق أن المعضلة كانت في عدم بناء علاقة استراتيجية مستدامة بين القوة والسياسة.
في بعض المراحل استُخدمت القوة دون رؤية سياسية نهائية.
وفي مراحل أخرى استُخدمت الدبلوماسية دون امتلاك القوة التفاوضية الكافية.
وفي مراحل ثالثة استنزفت الصراعات العربية الداخلية والإقليمية قدرًا كبيرًا من القوة والاهتمام الذي كان يمكن توجيهه إلى بناء نظام عربي أكثر تماسكًا.
ومن هنا يصبح السؤال الصحيح مختلفًا:
ليس: الحرب أم السلام؟
بل:
كيف نستخدم القوة لمنع الحرب، وكيف نستخدم السياسة لصناعة السلام، وكيف نحمي السلام بعد الوصول إليه؟
المعادلة العربية الجديدة
يمكن اختصار الدرس التاريخي في معادلة استراتيجية:
القوة → الردع → التفاوض → التسوية → السلام → الاستقرار
لكن المعادلة لا تكتمل إلا بعنصر إضافي:
حماية السلام
ومن ثم تصبح المعادلة الأكثر اكتمالًا:
القوة + الردع + الدبلوماسية + التفاوض + العدالة + المؤسسات = سلام مستدام
فالقوة بلا سياسة قد تنتج حربًا بلا نهاية.
والسياسة بلا قوة قد تنتج تسوية غير متوازنة.
والسلام بلا معالجة لجذور الصراع قد يتحول إلى هدنة مؤقتة.
والسلام بلا قوة ومؤسسات تحميه يبقى معرضًا للانهيار.
أما الجمع بين القوة والسياسة والردع والدبلوماسية والمؤسسات، فيمكن أن يحول السلام من مجرد اتفاق إلى نظام قابل للاستمرار.
ماذا يحتاج العرب اليوم؟
بعد تجربة امتدت من 1948 إلى 2026، لا يحتاج العرب إلى العودة إلى منطق الحرب المفتوحة، كما لا يحتاجون إلى قبول السلام بأي ثمن.
إنما يحتاجون إلى الانتقال من إدارة الأزمات إلى بناء القدرة على منع الأزمات.
وهذا يتطلب:
أولًا: إعادة بناء مفهوم الأمن العربي الجماعي.
ثانيًا: امتلاك قدرات حقيقية للردع والدفاع، يكون هدفها منع الحرب وليس إشعالها.
ثالثًا: إنشاء آليات عربية للإنذار المبكر ومنع النزاعات.
رابعًا: تنسيق المواقف العربية في القضايا الاستراتيجية الكبرى.
خامسًا: حماية الممرات البحرية العربية، وفي مقدمتها قناة السويس والبحر الأحمر والخليج.
سادسًا: تحويل القوة الاقتصادية العربية إلى قوة استراتيجية.
سابعًا: منع تحويل الدول العربية إلى ساحات للحروب بالوكالة.
ثامنًا: دعم الدولة الوطنية ومؤسساتها وقدرتها على حماية المجتمع.
تاسعًا: التعامل مع القضية الفلسطينية باعتبارها قضية أمن واستقرار إقليمي، وليس مجرد ملف تفاوضي منفصل.
عاشرًا: بناء تصور عربي للسلام يقوم على الأمن والحقوق والتنمية والضمانات، وليس على مجرد وقف إطلاق النار.
الخاتمة: أن نكون أقوى من الحرب
بعد قرابة ثمانية عقود، لم يعد السؤال الحقيقي:
هل العرب مع الحرب أم مع السلام؟
فهذا السؤال ينتمي إلى ثنائية لم تعد تكفي لفهم واقع المنطقة.
السؤال الحقيقي هو:
هل يستطيع العرب أن يمتلكوا من القوة ما يمنع الحرب، ومن السياسة ما يصنع السلام، ومن المؤسسات ما يحميه؟
لقد أثبت التاريخ أن الحرب وحدها لا تكفي لصناعة السلام، كما أثبت أن السلام لا يستمر إذا لم تكن وراءه قوة وردع ومؤسسات وضمانات.
لذلك فإن المشروع العربي في المرحلة المقبلة يجب ألا يكون مشروع الاستعداد للحرب، ولا مشروع السلام بأي ثمن.
بل يجب أن يكون مشروع:
امتلاك القدرة على منع الحرب، وصناعة السلام، وحماية الاستقرار.
فالعرب لا يحتاجون فقط إلى أن يكونوا أقوى في الحرب.
إنهم يحتاجون إلى أن يكونوا أقوى من الحرب.
وهنا تنتقل قضية العرب من مجرد تاريخ طويل مع الحرب والسلام إلى سؤال المستقبل:
كيف نبني نظامًا عربيًا يجعل السلام نتيجة للقوة الرشيدة، وليس بديلًا عنها؛ ويجعل القوة أداة لمنع الحرب، وليس سببًا لاستمرارها؟
فربما يكون هذا هو الدرس الأكبر من تاريخ 1948–2026:
ليس الهدف أن ننتصر في كل حرب، ولا أن نتجنب كل حرب بأي ثمن؛ وإنما أن نمتلك القدرة التي تجعل الحرب آخر الخيارات، والسلام أول الخيارات الممكنة والعادلة والمستدامة.

