
رئيس اتحاد الوطن العربي الدولي يتحدث عن كتمان الأسرار، والحفاظ على الخصوصيات،
بقلم / المفكر العربي الدكتور خالد محمود عبد القوي عبد اللطيف
مؤسس ورئيس اتحاد الوطن العربي الدولي
رئيس الإتحاد العالمي للعلماء والباحثين
كتمان الأسرار، والحفاظ على الخصوصيات، وترك التباهي من نضج وقوة الشخصية.
تُعدّ القدرة على كتمان الأسرار وحفظ الخصوصيات سياجاً منيعاً يحمي العلاقات، ومؤشراً حقيقياً على نضج الشخصية وقوتها النفسية؛ فالإنسان المتزن هو من يملك زمام لغته، ويستطيع كبح رغبته في الثرثرة، ممّا يمنحه هيبة ووقاراً في مجتمعه. وقد وجّهنا النبي الكريم ﷺ إلى أهمية الاستعانة بوعاء الكتمان في شؤوننا فقال: «استعينوا على إنجاح الحوائج بالكتمان، فإن كل ذي نعمة محسود».
حين تحفظ أسرار الآخرين، تحوّل نفسك تلقائياً إلى ملاذ آمن ونبع للمصداقية بين الناس. هذا الالتزام الأخلاقي يعزز مكانتك الاجتماعية ويجعل الآخرين يبادلونك الاحترام والتقدير، لعلمهم أن خصوصيتهم في أيدٍ أمينة؛ فالسر أمانة كبرى وإفشاؤه خيانة للعهد. وفي هذا السياق، يقول الحكيم أكثم بن صيفي: «إنَّ سِرَّك مِنْ دَمِكَ، فَانْظُرْ أَيْن تُرِيقُهُ»، دلالةً على أن اختيار الشخص الموثوق هو أساس صيانة الكرامة.
يتطلب كتمان السر جهداً داخلياً كبيراً لمقاومة شهوة التحدث أو التفاخر بمعرفة الخفايا. هذا الانضباط الذاتي يمثل أعلى درجات التحكم بالنفس، ويبرهن على امتلاكك لإرادة قوية تتفوق على الفضول وحب الظهور، ويجعل من عقلك حصناً منيعاً لا تخترقه ألسنة الفضوليين. وكما قال أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله عنه: «سِرُّك أسيرك، فإن تكلَّمتَ به صِرْت أسيره»؛ فالصمت حصانة وقوة، والاندفاع في الكلام يفقد الإنسان سيطرته على مواقفه.
يُعتبر حفظ الخصوصية صمام الأمان الذي يقي العلاقات الاجتماعية والزوجية خطر التصدع والنزاعات الناتجة عن نقل الكلام وإفشاء العيوب. كما أن انشغال المرء بتطوير ذاته، بدلاً من تتبع عورات الناس وهتك أسرارهم، يمنحه سلاماً داخلياً وراحة بال دائمة تجعله يترفع عن صغائر الأمور. ولقد وصف عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه هذه المهارة بدقة حين قال: (القلوب أوعية الأسرار، والشفاه أقفالها، والألسن مفاتيحها؛ فليحفظ كل امرئ مفتاح سره.).
ويتكامل نضج الشخصية بترك التباهي والتفاخر بالنعم أو الإنجازات، فالإنسان الواثق يستمد قيمته من جوهره لا من استعراض ممتلكاته أمام الآخرين. إن الترفع عن حب الظهور يعكس سلامة نفسية تحمي المرء من السقوط في فخ الغرور، وتجنبه إثارة أحقاد الحُسّاد أو كسر قلوب المحرومين. وكما قيل في الحكمة: «احفظ لسانك عن التمدح، فإنه يُذهب الهيبة ويورث المقت»؛ فالجمال الحقيقي يبدو في ثوب التواضع الصامت.
في المحصلة، يظل كتمان الأسرار وترك التباهي شيمة العقلاء ودليلاً على نبل المعدن، بينما إفشاؤها يعكس ضعفاً في الشخصية وبحثاً رخيصاً عن الانتباه؛ فمن ملك لسانه ملك احترامه، ومن صان خصوصية غيره صان كرامة نفسه. ولنجعل دائماً من صدورنا أوعية أمينة تحفظ الودّ، وتصون العهد، وتديم الألفة بين الناس.
عرض أقل

