رئيس اتحاد الوطن العربي الدولي يؤكد أن التهجُّد اصطفاء رباني وشرف للمؤمنين

رئيس اتحاد الوطن العربي الدولي يؤكد أن التهجُّد اصطفاء رباني وشرف للمؤمنين

بقلم \ المفكر العربي الدكتور خالد محمود عبد القوي عبد اللطيف

مؤسس ورئيس اتحاد الوطن العربى الدولى

رئيس الإتحاد العالمي للعلماء والباحثين

التهجُّد اصطفاء رباني وشرف للمؤمنين

التهجّد عبادة جليلة اختص الله بها أهل الإيمان الصادق، وهي من أعظم القربات التي تزكي النفوس، وتحيي القلوب، وتقوي صلة العبد بربه. وهو قيام الليل بعد نوم، حيث يترك المؤمن فراشه الوثير، ويقف بين يدي مولاه خاشعاً، يرجو رحمته ويخشى عذابه، في لحظات يسودها السكون، وتتنزل فيها الرحمات.

وقد أمر الله نبيه ﷺ بهذه العبادة العظيمة فقال: ﴿وَمِنَ ٱلَّيۡلِ فَتَهَجَّدۡ بِهِۦ نَافِلَةٗ لَّكَ عَسَىٰٓ أَن يَبۡعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامٗا مَّحۡمُودٗا﴾ [الإسراء: 79]. ووعده بالمقام المحمود، وهو أعظم مقام يناله بشر يوم القيامة، مما يدل على عظيم منزلة هذه العبادة ورفعة شأنها عند الله تعالى.

وأثنى سبحانه على عباده الصالحين الذين يعمرون الليل بالطاعة، فقال: ﴿كَانُوا قَلِيلًا مِّنَ ٱلَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ ۝ وَبِٱلْأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ﴾ [الذاريات: 17-18]، كما وصف عباد الرحمن بقوله: ﴿وَٱلَّذِينَ يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّدٗا وَقِيَٰمٗا﴾ [الفرقان: 64]. فقيام الليل لم يكن نافلة عابرة، بل كان سمة ملازمة لأهل الإيمان عبر العصور.

وبيَّن النبي ﷺ فضل هذه العبادة فقال: «أفضلُ الصلاةِ بعدَ الفريضةِ صلاةُ الليلِ» رواه مسلم، كما أخبر أن الله سبحانه يتفضل على عباده في الثلث الأخير من الليل، فينادي: «من يدعوني فأستجيب له؟ ومن يسألني فأعطيه؟ ومن يستغفرني فأغفر له؟» متفق عليه. وفي هذا أعظم ترغيب للمؤمن أن يغتنم هذه الساعات المباركة بالدعاء والاستغفار، فهي من أرجى أوقات إجابة الدعاء، ونيل المغفرة، والتقرب إلى الله عز وجل.

وكان رسول الله ﷺ أحرص الناس على التهجد، حتى قالت أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها: «ما كان رسول الله ﷺ يزيد في رمضان ولا في غيره على إحدى عشرة ركعة» متفق عليه. وكان يبدأ قيامه بركعتين خفيفتين، ثم يصلي ما كتب الله له من الركعات مثنى مثنى، ويختم صلاته بالوتر، امتثالاً لقوله ﷺ: «صلاة الليل مثنى مثنى، فإذا خشي أحدكم الصبح صلى ركعة واحدة توتر له ما قد صلى» متفق عليه. والتهجد في حقيقته جزء من قيام الليل، إلا أن جمهور العلماء خصوه بالصلاة التي تكون بعد نوم، ولذلك كان أفضل أوقاته الثلث الأخير من الليل، حيث يكثر المؤمن من تلاوة القرآن، ويطيل الركوع والسجود، ويجتهد في الدعاء والاستغفار، ويختم صلاته بالوتر إن لم يكن قد أوتر قبل نومه. ولا يختص التهجد بعدد معين من الركعات، بل يصلي المسلم ما تيسر له بخشوع وحضور قلب، فالمقصود الأعظم هو صدق المناجاة وحسن الإقبال على الله.

وقد أجمع أهل العلم على أن التهجد من أعظم أسباب صلاح القلب، وكانوا يعدونه ميزان صدق الإيمان. قال الإمام ابن القيم رحمه الله: «وليس شيء أنفع للقلب من قراءة القرآن بالتدبر مع قيام الليل». وقال الحسن البصري رحمه الله: «ما أعلم عملاً أشد من مكابدة الليل»، لأن مجاهدة النفس على القيام لا يوفق إليها إلا من امتلأ قلبه بمحبة الله.

ولذلك كان السلف الصالح يحرصون على التهجد أشد الحرص، ويرون أن بركة النهار، وثبات القلب، ونور الوجه، وسعة الرزق، إنما هي من ثمار تلك الخلوات المباركة مع الله في ظلمة الليل. فمن ذاق حلاوة المناجاة عرف أن دقائق التهجد قد تكون سبباً في تفريج الكروب، وإجابة الدعوات، ومغفرة الذنوب، ورفعة الدرجات.

فطوبى لمن جعل له نصيباً من الليل، ولو ركعتين يخلص فيهما لله تعالى، فإن أحب الأعمال إلى الله أدومها وإن قل، ورب ركعتين في جوف الليل كانتا أعظم أثراً في حياة العبد من أعمال كثيرة خالطها الغفلة والرياء. ومن وفقه الله للقيام في الأسحار فقد نال شرفاً عظيماً واصطفاءً ربانياً، لأن الله لا يوقظ لمناجاته إلا من أراد به خيراً، ﴿ذَٰلِكَ فَضْلُ ٱللَّهِ يُؤۡتِيهِ مَن يَشَآءُ وَٱللَّهُ ذُو ٱلۡفَضۡلِ ٱلۡعَظِيمِ﴾ [الجمعة: 4]